الأقزام الثلاثة هم: أبو العلاء المعري وكامل كيلاني ومستر براكنبوري. وضع أبو العلاء رسالة الغفران وقذفها في تيار الفكر الإنساني تنحدر مع الأيام وطال بها حلك الليالي عصورًا مديدة حتى جاء الكيلاني فتناولها بالتحقيق والتهذيب ونشرها في الفكر العربي الحديث نورًا قويًا ساطعًا. والكيلاني يعشق أبا العلاء عشقًا عنيفًا ويرى فيه صورة العقل العربي الجبار ويبرهن على أن في كل جملة منه توجيهًا جديدًا، وأنه أسمى تفكيرًا وأسلم منطقًا من كثير من مشهوري الغرب قدمائه ومحديثه. وهذا ما حثه فتعاون والمستشرق الإنكليزي جيرالد براكنبوري على ترجمة رسالة الغفران إلى الإنكليزية. وقد تم طبعها الأنيق منذ أيام فجاءت تحفة ممتازة من تحف العقل العربي في المكتبة الإنكليزية. ولئن كان الإنكليز قد اطلعوا على شيء من أدبنا القديم فإنما اطلعوا على أضعف ما فيه غالبًا وهو ما يمثلنا في عصور الأنحطاط كمقامات الحريري مثلًا؛ على أنها في حقيقتها لا تمثل إلا القدرة اللفظية وألاعيب التراكيب مما لا يروق العقل المفكر. أما رسالة الغفران ففخر لنا نباهي به؛ وأنا على مثل اليقين أنها ستستحوذ على الشهرة التي نالتها ترجمة فيتر جرالد لرباعيات الخيام. وترجمة الرسالة هذه تكاد تكون حرفية لكنها قوية لا تحس فيها موضع ضعف أبدًا ونقل فيها الشعر إلى الإنكليزية شعرًا. وساعد براكنبوري على ذلك سعة اللغة الإنجليزية نفسها وليونتها وتعدد الألفاظ الدينية وترادفها بمعانيها نفسها أو بمعان أخرى قريبة منها مما لا نجد له مثيلًا في سائر اللغات غير العربية. أضف إلى هذا كله قدرة براكنبوري الفائقة في لغته وفي العربية والتشابه القوي في حياة المؤلف والمترجم وطراز التفكير، ثم إمداد الكيلاني وتحقيقه وجهوده
فأبو العلاء المعري وكامل الكيلاني وجيرالد براكنبوري؛ هؤلاء هم الأقزام الثلاثة الذين تعاونوا على تقديم رسالة الغفران إلى الإنجليز. ومن أجدر في القيام بهذا العمل الجبار من هؤلاء النبغاء الثلاثة؟
(القاهرة)
ممدوح حقي
الشيخ عياد الطنطاوي