القاصرين الذين ينظرون نظرًا سطحيًا، فيذهبون ضحايا الانخداع بزخارف القول الغرور وأوهام الفكر الشرود
والحياة بالغة الحجج مفحمة المنطق جارفة التيار، تدفع الإنسانية دائمًا إلى مجراها الذي يعب عبابه وتتضرب أمواجه على رغم هؤلاء المتكلمين المتشائمين. فلا سبيل إلى الوقوف في وجهها وتحويلها. وكل من زعم أن منطقه أصدق من منطقها فله ما شاء من زعمه. أما أبناء الحياة الذين سادوا فيها فلا يعرفون إلا وجه أمهم الواضح القسمات المعروف السمات. . .
واعتقادي أن الذي جنى على التدين أن الناس حسبوا منطقة الدين منفصلة عن الإحساس العام بالحياة، وزعموا الدين لغير الحياة الدنيا، فجابهوهما بقلب موزع وفكر حائر بينهما، وحاول المتعبدون منهم الفرار من الدنيا قبل أن تستوفي ضرائبها منهم ويستوفوا تجاربهم فيها، وظنوا العبادة فترات انسلاخ من الحياة بالطقوس والرسوم وما إليها من المظاهر التي هي مواقف (استعراض) للمؤمنين لا أكثر. . . مع أن لب العبادة هو أن تشعر دائمًا في نفسك بفيض الحياة: ذلك الشأن الإلهي العجيب! وأن تتيقظ لفعله في ضربات قلبك وخطرات فكرك، ونبضات خلاياك وهمسات نفسك ولمحات عينك. . . وألا تنسى أنك دائمًا نتلقى ذلك الفيض من ينبوعه الأعظم إلى أجل. . . فيحملك ذلك الشعور الملازم على أن تحافظ على وجودك الذي هو مظهر تلك الأسرار ومشكلة تلك الشعلة، فلا تعطل قوة من قواه، ولا تطمس رسمًا من رسومه، ولا تقعد به عن الزحام في مجالات العمل الكريم الذي يذكي شعلة الحياة ويلقى إليها حطبًا يشب ضرامها. . . والوجود الإنساني الكامل الصحيح هو الذي ينتج الشعور الصحيح
والفكر الصحيح والخلق الصحيح والعمل النافع الدائم؛ وهو الذي أنتج وسائل التغلب والسيادة على عقبات الطبيعة، والقدرة على تمهيد الأرض للإنشاء والتعمير، وتخفيف المشقات والآلام؛ وهو الذي حقق تلك (الكرامات) العجيبة الدائمة التي أكرم الله بها الإنسانية على أيدي علمائها الذين جعلوا همهم البحث عن أسرار صنعة الله وقراءة كلماته الظاهرة والباطنة في الآفاق وفي الأنفس ومحاكاة نماذجها.
وإذا كانت كرامات الأولياء أمرًا مؤقتًا خاصًا بهم، فأن كرامات علماء الطبيعة أمر دائم