هي أقرب أمثلة ذلك؛ إذ ترتكز على السحر الذي كان يجيده بروسبيرو، والذي سخر به الريح فأغرقت سفينة ملك نابلي وسلط عليه وعلى أخيه الخائن الروح آريل يسيمها من العذاب ألوانًا، حتى تنتهي الرواية بصلح عام تكون ثمرته زواج ابن ملك نابلي من ابنة بروسبيرو وعودة بروسبيرو إلى ملكه في ميلان. فالموضوع في (العاصفة) موضوع شعري ساحر تجلت فيه عبقرية شيكسبير، وظهرت في عرضه وتناوله مواهبه التصويرية العالية. وكذلك موضوع أغنية الرياح الأربع. والعجيب أن تكون هذه أولى روايات علي محمود طه المسرحية ويتمها مع ذلك على هذه الصورة الرائعة من الحبكة والحركة والتسلسل والإبداع المتناهي في التصوير واختيار المناظر الخيالية الراقصة. . . هذا فضلًا عن بيانه المشرق وديباجته العالية وقوافيه المنتقاة وقوة تدفقه في الحوار وحرصه على موسيقية الأوزان، بل موسيقية الألفاظ. . . فقلما تعثر على لفظة نابية، أو كلمة قلقة، أو جملة لم يحسن الشاعر اختيارها وصقلها وتجويدها. . . وأنا متعمد أن أسوق كل هذا الكلام الذي يشبه الإطراء، بل هو الإطراء نفسه، لأذكر سببه. . . حقًا إن لهذا الإطراء سببًا طريقًا أرى أن أسوقه هنا، لأن هنا موضعه. . . ذلك أنني تعودت كلما فكرت في الكتابة عن شيء أن أسأل هذا النفر من إخواني الأدباء الذين أتوسم فيهم إلمامًا بالموضوع رأيهم فيما أنا بسبيله منه. وقد سألت هذه المرة كثيرين من إخواني الشعراء رأيهم في علي محمود طه أولًا، وفي تمثيليته أغنية الرياح الأربع ثانيًا؛ فعجب إذ وجدت الغالبية منهم تجمع على مآخذ يأخذونها على هذا الشاعر، منها أنه مولع بألفاظ وعبارات بعينها يرددها في الجزء الأكبر من شعره. فمن هذه الألفاظ (شعشع) وما يتفرع منها، و (عبقري) وما تصفه من خيال وخمر وموسيقا وجمال، و (لؤلؤ) وما إليه من لألأ ولآلاء ولؤلؤى، و (تذويب القلب) في الدموع وفي القبلة وفي النظرة وفي الابتسامة، و (مرح) ، فالمجداف مرح، والحبيب مرح الأعطاف، والجيد مرح، والقلب مرح، والشباب مرح؛ و (مجنح) فالخيال مجنح والطيف مجنح والسفين المجنحات، وللريح أجنحة
أي روح خفية أي ريح ... حملتنا بأجْنُحٍ في الخفاء؟
و (سلسل) وما يصرف منها، ومثلها، (ضوأ) و (ناسم ويناسم) و (الأصائل العسجدية) و (الخلجان المسحورة) و (حدائق النسيان) و (الكنوز المرصودة) إلى آخر هذا الثبت الطويل