الأرض. فقد رأوا أن لبلاد اسكنديناوه شكلًا خاصًا يغاير شكل بقية أجزاء الأرض؛ ذلك بأنها أشبه بذراع ممدودة أخذت من حواشيها المدى والسيوف فتركت به تلك الخلجان والقطوع المائية، التي صلحت في الأزمان الأولى أن تكون مقرًا آمنًا للقرصان الذين نشروا الرعب في شمال أوربا، وامتد إرهابهم إلى حوض البحر المتوسط، رأوا ذلك فتخيلوا حادثًا كونيًا محصله أن الله القادر على كل شئ بعد أن انتهى من عمل الخليقة، تسلل الشيطان ليرى العمل الذي أتمه في تلك الأيام السبعة التي تخلف فيها عن الظهور منه فوق العرش. فطاف ثم طاف، حتى إذا وقع على سيارنا هذا ورأى ما فيه من جمال وحسن بالرغم من صغر حجمه ضاقت نفسه وساء سلوكه، فاقتلع حجرًا عظيمًا قذف به كرة الأرض، مقر الإنسان الجديد، فاستقر الحجر في بحر الجمد الشمالي حيث اسكانديناوه الآن
ومن هذه الخرافة نستمد العظة. فكل جميل كامل الجمال، وكل حسن كامل الحسن، يأبى صلف الإنسان إلا أن ينتقصه من أطرافه، لا بد من أن يرمي بحجر يقذفه شيطانه، كذاك الذي قذف كرة الأرض بحجره العظيم، فزاد من جمالها وضاعف من حسنها. أرأيت تمثال فينوس ميلون؟ أفإن انحدر إلينا كاملًا بذراعه الجميلة، أكنا نشهد فيه ذلك الجمال كله؟ كلا فإن جمال الجزء الناقص ندركه من الجمال الأجزاء الباقية. أضف إلى ذلك شعور العطف الذي نحسه إزاء ذلك الحجر المنحوت، وذهول الكارثة التي أطارت منه الذراع. إن الجمال فيه لم ينقصه، وإدراكنا لقيمة جماله وحسنه وروعته قد شابها العطف عليه بحنو يبعث من وجداننا ما كان ليفوز به لو أن القدر أبقى منه تلك الذراع المفقودة
وما أشبه لغتنا العربية المجيدة بكرة الأرض وحادثها مع الشيطان! فإن هذه اللغة ما فازت بالبقاء دون أخواتها الساميات إلا لأسرار فيها يعجز عن إدراكها الفكر ويضل في بحثها التاريخ. وكل تعليل لهذه الظاهرة إنما هو تعليل ناقص؛ فإن ذلك التيه الواسع الذي نسميه اللغة العربية إنما هو على اتساعه وحدة كاملة الأطراف متماسكة الجوانب، إذا زعزعت منه أساسًا تداعت من حوله كثير من الأسس. فلقد تطورت هذه اللغة على مر السنين، وتكاملت على كر الأعوام، حتى أصبحت كالبناء المصبوب من الفولاذ، ناحية النقص الواحدة فيه؛ أنك لا تجد فيه منفذًا واحدًا يمكنك من أن تضيف إليه جديدًا منه؛ غير أنه