والشعر اليوم أكثره (شعر النشر) في الجرائد، على طبيعة الجرائد لا على طبيعة الشعر. وهذه إباحة صحافية غمرت الصحف، وأخضعت أذواق كتابها لقوانين التجارة، فانهم لينشرون بعض القصائد، كما تنشر (الإعلانات) لا يكون الحكم في هذه ولا هذه لبيان أو تمييز أو منفعة، بل على قدر الثمن أو ما فيه معنى الثمن.!
ومن مادية هذا العصر وطغيان العامية عليه، إننا نرى في صدر بعض الجرائد أحيانًا شعرًا لا يكون في صناعة الشعر ولا في طبقات النظم أضعف ولا أبرد منه، ولا أدل على فساد الذوق الشعري، ولكنه على ذلك الأصل الذي أومأنا إليه يعد كلامًا صالحًا للنشر، وان لم يكن صالحًا للشعر.
وهكذا أصبحت العامية في تمكنها تجعل من الغفلة حذقًا تجاريًا، ومن السقوط علوًا فلسفيًا، ومن الركاكة بلاغة صحفية، ومتى تغير معنى الحذق، وداخلته الإباحة، ووقع فيه التأويل، وأحيط بالتمويه والشبه - فالريبة حينئذ أخت الثقة، والعجز باب من الاستطاعة، والضعف معنى من التمكين، وكل ما لا يقوم فيه عذر صحيح، كان هو بطبيعة التلفيق عذر نفسه.
وأكثر ما تنشره الصحف من الشعر هو في رأيي صناعة احتطاب من الكلام. . . وقد بطل التعب، إلا تعب التقشش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفسية في وشي الكلام، ولا طبع موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني؛ وبهذه العامية الثقيلة أخذ الشعر يزول عن نهجه، ويضل عن سبيله، ووقع فيه التوعر السهل. . . والاستكراه المحبوب. . . وصرنا إلى ضرب حديث من الوحشية. هو الطرف المقابل للشعر الوحشي في أيام الجاهلية. فما دام الكلام غريبًا، والنظم قلقًا، والمأتى بعيدًا، والمعنى مستهلكًا، والنسج لا يستوي، والطريقة لا تتشابه - فذلك كله مسخ وتشويه في الجملة، وإن اختلفت الأسباب في التفصيل، وإذا كان المسخ جاهليًا بالغريب من الألفاظ، والنافر من اللغات، والوحشي من المعاني، وكان عصريا بالركيك من الألفاظ، والنازل من التعبير، والهجين من الأساليب، والسخيف من المعاني ثم بالسقط والخلط والاضطراب والتعقيد، فهل بعض ذلك إلى من بعضه؟ وهل هو في الشرع الجميل إلا كسلخ الإنسان الذي مسخه الله فسلخه من معان كان بها إنسانًا، ليضعه في معان يصير بها فردًا أو خنزيرًا ليس عليه إلا ظاهر الشبه، وليس معه إلا بقية الأصل؟