ونزعات تولستوي الإصلاحية، فهي نواحي ينظر إليها تارة بغير احتفال، وتارة أخرى على أنها توابع أو ظواهر ودلائل قد تفسر على ضوئها بعض أعمالهم الأدبية وآثارهم الفنية
إن الآداب الأوربية لم تحترم يومًا فنًا أو أدبيًا لأنه مصلح؛ ولكنها قد تحترم المصلح إذا كان أدبيًا أو فنانًا. ولعل أبرز مثل لذلك هو (إبسن) ؛ فقد هزته أحداث بلاده السياسية والاجتماعية فكتب تمثيليات مفعمة بروح الإصلاح مثل (براند) و (عدو الشعب) و (بيت العروس) الخ. ومات إبسن وتغير مجتمعه ونظر الناس في أعماله. . . وكاد يهزأ النقد به وبآرائه في السياسة والمجتمع، لولا فنه. وهكذا مات المصلح في إبسن وبقى الفنان
نحن الشرقيين تبهر عيوننا دائمًا كلمة (مصلح) بقدر ما نستهين بكلمة (فنان) . وإني لا أنسى دهشي يوم قرأت في مجلة (ماريان) الباريسية نقدًا للطبعة الفرنسية من (يوميات نائب في الأرياف) للناقد المعروف (رامون فرنانديز) يقول فيه: (إن القارئ لهذا الكتاب ينسى في أغلب الأحيان المقاصد الإصلاحية التي حركت المؤلف لوضع كتابه، بل إن القارئ يتمنى ألا يتغير شيء في عالم هذه المخلوقات الإنسانية) صدمني هذا القول لأني كنت أعتقد أن مقاصد الإصلاح لها الاعتبار الأول في مثل هذا النوع من الكتب، وأن صفة المصلح هي التي يجب أن توضع موضع التقدير
لقد تحدث الأستاذ أحمد أمين في أكثر من موضع عن الروايات الغرامية وعرامة الحب بما ينم عن الازدراء. . . فذكرني ذلك من فوري برواية شكسبير (روميو وجولييت) ؛ وقلت في نفسي: هاهي ذي قصة ليس فيها إصلاح لمجتمع ولا نهوض بشعب، وكل ما فيها عرامة الحب. ومع ذلك فقد خلدتها الإنسانية حيث طرحت ومزقت كثيرًا من صفحات المصلحين وكتابات الهادين والمرشدين. إن الإنسانية لأدرى بما يسرها وأعلم بما يسعدها مني أنا ومن أخي أحمد أمين. كم من المؤلفات المملوءة بالإرشاد والإصلاح قد نشرت وظهرت ولم تحتفظ بها ذاكرة الزمان. . . ولكنها احتفظت بقصة غرام وقصيدة غزل ورواية حب عارم. . . وإذا كان حقًا أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض، فماذا نقول في بقاء (روميو وجولييت) وفناء الكثير من القصص الإنكليزي الذي قصد به إصلاح المجتمع؟ بل ماذا نقول في خلود قصة (غادة الكامليا) لدوماس الصغير