تعريفها الآن، لحكمة لم يرد بعض النقاد أن يدركها
أضف إلى ذلك فضل أخلاقه الكريمة من عفة لسانه في صراحته، ومن نزاهته عن التعصب والتحزب، وصدقه وإخلاصه في الدعوة للوعي القومي، وكرامته وتواضعه تواضعًا يهبه العلم والأدب والتربية
استقصي واستوعب، وشخص الداء ووصف الدواء، شارحًا دعوته في إيجاز نير، حتى يرى من لا يرى، ويعلم من لم يعلم، ويفهم من لم يفهم، ويعمل من لا يعمل على مصلحة قومه
(في الوعي القومي) آية للزمان ومدعاة إلى الاطمئنان على مستقبل نتمناه، سواء أكان بعيدًا كل البعد أم قريبًا كل القرب
من أجل ذلك كله قد لا أكون مبالغًا إذا أنا زعمت أن هذا الصنيع الأساسي النفيس، المبتكر بوحدته ومميزاته ومرماه وظهوره في الشرق العربي في إبان الحاجة إليه، هو أجل كتاب بين الكتب العربية التي وضعت منذ أطفأ الدهر نور هذا الشرق
أما الأستاذ الكبير، ساطع بك الحصري، فقد أبدع كذلك في (دراسات عن مقدمة ابن خلدون) إذ جاءت مصداقًا لتقريره (أن الطرافة في الدراسات لا تتأنى من جدة الموضوع وحده، بل قد تتولد من طرافة الطريقة والاتجاه أيضًا) ، فإنه خدم قومه باتجاهه العلمي، وعرف الأصول التي اهتدى بنورها في دراسة المقدمة، وكان البادئ في العربية بدراستها على الطريقة العلمية فيما أعلم
ذكر، مثلًا، أن كل عالم ومفكر يشاطر بوجه عام معاصريه أكثر أخطائهم، ولذا فإن منزلته (لا تتعين بملاحظة جميع الآراء الصائبة والخاطئة المنبثة في كتاباته ومؤلفاته المختلفة، بل تتقرر بملاحظة الآراء المبتكرة التي يسمو بها على معاصريه، والحقائق الجديدة التي يضيفها إلى المكتسبات الفكرية البشرية، والخدمات التي يقوم بها بهذه الصورة في سبيل تقدم الأفكار والعلوم) ؛ وعرف طرائق النقد الداخلي والنقد الخارجي والنقد التفسيري؛ ولاحظ أن مباحث المقدمة قسمان: (المباحث الأساسية. . . تحوم حول علم العمران وأسس التاريخ مباشرة) ، و (المباحث الاستطرادية التي تأتي تمهيدًا للأبحاث الأصلية أو إتمامًا لها) ؛ وأن عمل ابن خلدون في هذه (لا يتعدى حدود النقل والجمع، والعرض والتلخيص،