الواسطة التي كان بها يتصل بكم
أجل ليس لدى الأموات ألسنة تتكلم ولا أجسام تتحرك لتعرب لكم عن معرفتها وإدراكها وشعورها بل هم بقوة الحياة الكلية - وقد أصبحوا جزءًا منها - غدوا أقوى منكم معرفة وأسمى إدراكًا وأشد شعورًا
كنت في الحياة الدنيا أعد نفسي ويعدني الناس من فطاحل العلماء، ومن أعاظم الدهاة الذين لا تخفى عليهم خافية، وبعد الموت تبينت جهلي وجهل الناس تقدير إدراكي ومعارفي
فأنا الذي كنت أحسب عالمًا لم أكن إلا على يسير من العلم، وأنا الذي كنت أعد مدركًا لم أكن إلا على ذرة من الإدراك لأنني لم أعرف من شجرة الحياة طيلة حياتي إلا قشورها
كنت على جانب عظيم من الجهل لأنني لم أتمكن في الحياة من معرفة أقرب المقربين إلي، الذين كنت أساكنهم أو كانت تربطني بهم صلة من الصلات. أما اليوم فقد حررني الموت من الجهل، فغدت علومكم التي كنت أتبجح بمعرفتها بمثابة ألاعيب صبيانية أمامي، وصارت دنياكم الحافلة بالرموز والأسرار والأحاجي مضيئة عن ظهر قلبي، وبواطنكم المستترة التي لم أدرك كنهها في الحياة أصبحت اليوم واضحة حيال ذهني وضوح شمس الظهيرة
لقد كنت مخدوعًا حقًا في كثير من الأمور. مخدوعًا في معرفتي لنفسي ومعرفتي للناس. فجاءني الموت يعرفني بنفسي مبينًا لي مقدار قصورها وعجزها في المعرفة خلال الحياة. ويعرفني بالناس كماهم لا كما كنت أتوهم معرفتهم. لأنه أظهر لي ما تكنه طبائعهم من خفايا الغرائز والنزعات التي كانت غامضة عليّ كل الغموض
لقد كنت مخدوعًا بالمظاهر الخارجية إلى أقصى حد. فكم رجل كنت أحسبه صديقًا فكان عدوًا. وكم إنسان كنت أعده مخلصًا فكان مخاثلًا. وكم رجل دين كنت أعتبره جم الفضائل فكان جم الرذائل. وكم امرأة كنت أعتقد بها الطهر والورع فكانت على غير ذلك
أما الآن فقد تجاوزت عالم الغش والخداع والتمويه إلى عالم الحقائق فأصبحت أرى كل شيء واضحًا جليًا. إني أطل عليكم من كوة هذا العالم - عالم الحياة الكلية وأرقبكم من نوافذها المشعة في دخائل أذهانكم وقلوبكم: وأتفقد أعمالكم وكل ما يصدر عنكم من خير أو شر. وإني لعالم بكل ما تظهرون وما تكتمون