الوجه الإنساني مثلًا بكلمات مركبة لكل صفة، دلت العربية على كل حلية في الإنسان وكل صفة في عينيه وحاجبه وأنفه وفمه وأسنانه وغيرها بأسماء خاصة. وليس هذا مقام التمثيل والتفضيل
ثم هذا الإحساس الحاد الدقيق المتمثل في المفردات يتجلى في التركيب مدهشًا. فكل كلمة لها في الجملة مكانة يحس بها المتكلم أو تحس بها الكلمة نفسها فتعطى صوتًا مكافئًا لهذه المكانة. فالكلمة الأصيلة لها أقوى الأصوات وهو الضم، والأخريات لها الفتح والجر، وما أرى هذا إلا ضربًا من الحياة في الألفاظ والتركيب يبين عن أدق الإحساس وألطفه
وإذا اشتملت اللغات على كلمات هي مادتها، ففي اللغة العربية مادة وقوالب يستعملهما صاحبها حين الحاجة، فيها مادة ووزن. فخذ المادة أو استعرها من لغة أخرى، ثم صبها في قالب من قوالب الأسماء. والأفعال وصورها بالقوالب أو الأوزان ما تشاء. فلغتنا تدل بالمادة والوزن وبالصيغة والهيئة. فمن سمع فاعلا أو مفعولا أدرك أن هذا الوزن في حركاته وسكناته له معنى يلازمه في المواد كلها. وبهذا حدت اللغة واستبانت خصائصها، حتى نفت عن نفسها كل كلمة أجنبية ما لم تخضع لأوزانها وقوانينها. للأسماء أوزان والأفعال أوزان، فما لا تزنه هذه الأوزان فهو أجنبي. وبهذا بقيت على الدهر المتطاول خالصة نقية، صحيحة قوية
قيل إن لغتنا صعبة بهذه المفردات وبهذه التراكيب والأوزان، وإنها تكاد تأبى على دارسها، وتعجز طالبها. وهذا حق لا تدفعه، وإن عيبًا فلا ننكره. ولكنه ليس من نقصان في خلقها أو اختلال في بنيتها أو عجز في موادها وأوزانها. ولكنه نتيجة التطور الكامل والنمو التام. فأدنى الأشياء في هذا العالم أيسرها وأقلها تركيبًا. والكمال يصحبه التركيب والتفصيل والأشكال والإعضال. اعتبر هذا في النبات والحيوان، في الحيوان ذي الخلية والواحدة بالإنسان، ثم انظر المراتب بينهما. واعتبر هذا في البداوة والحضارة وفي أنواع الحضارات تجد النقص بساطة ويسرًا، والكمال تركبًا وصعوبة. الكمال في هذا العالم لا ينال إلا بتطور تلده الأحقاب بعد الأحقاب، وتنوء به العزائم بعد العزائم، فلغتنا صعبة، ولكنها كاملة حية دقيقة مواتية، حية حساسة موسيقية متلائمة
وقد امتحنت هذه اللغة الحضارة الواسعة، واختبرها التاريخ الطويل، فلم تعجز ولم تضق