أصبح هؤلاء الشعراء وأولئك الأدباء عبيدًا للقديم وكأني بهم يرقصون في السلاسل
وإلى جانب هذا التيار العام - تيار محاكاة القديم المسمى في تاريخ الأدب العربي بتيار عمود الشعر - أخذ يظهر تيار آخر معظم رجاله من الشعراء الأعاجم حاولوا أن يجددوا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتحرروا تحررًا تامًا؛ فحافظوا على بناء القصائد كما حافظوا على موضوعات القول ولم يجددوا إلا في الصياغة وكونوا مذهبًا هو المعروف بمذهب البديع أي المذهب الجديد. ورأس مذهبهم هو مسلم بن الوليد وبشار وأبو نواس وأخيرًا أبو تمام فهو الذي وصل بمذهبهم إلى غايته
مذهب البديع هو مذهب الصنعة. ومن هنا لم يلبث هذا اللفظ أن تطور فأصبح يدل على علم بذاته هو علم المحسنات اللفظية كما فصل موضوعاته أو هلال العسكري في كتابه المعروف (بالصناعتين) صناعة الشعر وصناعة النثر
والصنعة في الشعر والنثر من أخطر الآفات التي تهدد الفكر والإحساس عند التعبير عنهما، حتى لأخالها تعمي الرأي وتذهب بصدق الإحساس، وذلك لأمر بين هو أن الشاعر أو الناثر الصانع المتكلف بفكر ويحس مرتين: مرة ليدرك الإحساس أو الفكرة، ومرة ليحتال عليهما حتى يسكنا إلى اللفظ وفي هذا إفساد لهما
وهكذا ظهرت المحاكاة كما ظهرت الصنعة في الأدب العربي، وصادف ذلك بدء نشوء أدب مصري مستقل، فغلبت المحاكاة وغلبت الصنعة على أدبنا نحن أيضًا كما قلنا؛ واستمرت الأمور تسوء برغم فترات الانتعاش التي اهتزت فيها بلادنا بأحداث ضخام بددت المحاكاة أو مزقت الصنعة لوقت ما كالدعوة العلوية أيام الفاطميين والحروب الصليبية أيام الأيوبيين
وجاء حكم الأتراك العثمانيين بما صحبه من ظلمات ومظالم جففت منابع الحياة الروحية ببلادنا، حتى إننا عند بدء الحملة الفرنسية نبحث عن أدب مصري عربي فلا نجد إلا شعرًا متكلفًا سخيفًا أو نثرًا مسجوعًا يدعو إلى الضحك، أو كتابة مهلهلة كتاريخ الجبرتي الذي تكاد لغته تمس اللغة العامية
وانتهت الحملة الفرنسية وجلس محمد علي على عرش مصر فأدرك بفطرته السليمة أنه لابد لإنهاض هذه البلاد من أن يقطع التيار؛ فيعود إلى التراث العربي القديم يبعثه، كما يتجه ببعثاته إلى أوربا حيث كانت الحضارة الحقة كما سنرى