النصح بأبواب الخلفاء. ونجد جماعة من هؤلاء النصاح يقفون على أبواب الخلفاء لا يبغون جزاء. ولكن يطلبون رضى الله ولو أسخط المنصوح. ولا يبالون بكلمة الحق يعلنونها صريحة في وجوه الحكام على قلوبهم تلين وتخضع
فلقد ذكر ابن طلحة في (عقد الفريد) حادث وفود أبي بكرة على معاوية ناصحًا مذكرًا في كلمات بليغة وعبارات فصيحة، ومعاوية يستمع إلى رجل في حسن إقبال، والرجل يذكره بالدنيا الفانية والمتاع القليل والدار الباقية. ويقول في نص عبارته: (اعلم أنك في كل يوم يمضي عنك وفي كل ليلة تأتي عليك، لا تزداد من الدنيا إلا بعدًا، ومن الآخرة إلا قربًا. وعلى أثرك طلب لا تفوته، وقد نصب لك حد لا تجوزه. فما أسرع ما تبلغ الحد، أو ما أوشك ما يلحقك الطالب. وأنا وأنت وما نحن فيه كلنا زائل، وسنصير إلى ما هو باق في الآخرة)
وما أكثر ما وقف النصاح بباب سليمان بن عبد الملك. وكان هو نفسه يسأل عنهم ويطلبهم إلى مجلسه ويبدؤهم بالسؤال، ويفسح لهم المجال، فلا يقف بينه وبينهم حراس، ولا يذودهم عنه حجاب. حدثوا أنه حج، ولما أتم المناسك دخل المدينة وسأل عن جماعة ممن أدركوا أصحاب رسول الله. فأتوا له بأبي حازم التابعي. فقال له الخليفة يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟ فقال: عمر تم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. . . وما وال الرجل يصف هول الحشر حتى بكى الخليفة. وسأل واعظه قائلًا: كيف السبيل إلى صلاح الأعمال: قال: تقسمون بالسوية، وتعدلون في القضية، وتراعون أمر الرعية
ولما طلب الخليفة منه أن يذكر حاجته، طلب الناصح منه أن يزحزحه عن النار ويدخله الجنة. . .! وهو طلب ليس في يد الخليفة تحقيقه. فاعترف بعجزه. . .!
ولقد روى المدائني أن رجلًا من عبد القيس بن قصي دخل على سليمان بن عبد الملك طالبًا الكلام. فأذن له، فقام وهدد الخليفة بالغلظة في كلامه، ورجا منه أن يحتمله على كره، فإن وراءه للخليفة نفعًا وللأمة خيرًا. فأذن له بالاستمرار. فأخذ يطلق لسانه في الخليفة بما خرست عنه الألسن قبله، وأخذ يلوم الخليفة على سوء اختياره لبطانته، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، وهم لن يألوا الأمانة تضييعًا، والأمة عسفًا وخسفًا. وأخذ يحمل الخليفة مسئولية