تمتد عادة بقدر بقاء الذكرى الأليمة من حرب أخيرة: افرضه جيلًا. وبما أن من مميزات زماننا عقلية فؤيرة تتخيل أنها اكتشفت العالم، يميل الناس اليوم بوجه عام إلى التسليم بأن هذه الحال نهائية. أرجو أن يشاء الله!) وقد صدق: إذ نشبت الحرب الحاضرة، وهي أشد إيلامًا من الماضية، ولذا بدأ الناس من الآن ينتظرون نزع السلاح ويسلمون بإمكان سلم دائمة
ثانيا: إن العالم الآن (يجري في التعليم على بث روح السلم واعتناق فلسفة السلام)
ثالثا: إن الواقع هو (انتشار التعليم بين سواد الناس، وما يتبع ذلك من رقي عقلي، ونزوع إلى تغليب الحكمة على الشهوة، وحل المشكلات بالعقل لا بالقوة. وكلما ارتفعت عقليات الأفراد صعب قيادهم قيادا أعمى لمصلحة ذوي المطامع)
فهل يجب إذن أن نعتقد أن أفراد الشعب الأماني، مثلًا، لم ينتشر التعليم فيهم، وأن عقليتهم منحطة، ولذا أثر أصحاب المطامع في عقولهم ونفوسهم حتى انقادوا إلى هذه الحرب انقيادًا أعمى؟ أو أن هؤلاء الأفراد وزعماءهم سوف يهذبون على (فلسفة السلام) حتى ينسوا أحقادهم القديمة والحديثة على أعدائهم، ويتغلبوا على غرائزهم وشهواتهم فلا يوجد بعد ذلك فيهم أحد يحاول دفعهم إلى حرب، ولا ينقادون انقيادًا أعمى ولا بصيرًا؟ ومن الذي سيتولى تغذيتهم بهذه الفلسفة؟ هم، من شقاء أنفسهم، أم غيرهم؟ وهل أفلحت الدول التي اقتسمت بولونيا منذ أواخر القرن الثامن عشر في عقليتها ونفسيتها ونزعتها الوطنية جميع الدول في تغذية شعوبها وتهذيبها بفلسفة السلام النظرية؟ وأيها يبدأ مخاطرًا بهذا التهذيب؟ وما يكون الحامل على هذه المخاطرة؟ أهو خيفة رزايا الحرب الحديثة، أم مثل أعلى مهلك، أم مقتضيات الاقتصاد وهو الذي يسوق إلى الحرب؟ هذه أسئلة لا نهاية لأمثالها. وقد يغني عن أجوبتها استشهاد طائفة من العلماء وكبار الكتاب:
يقول له دنتك: (يبدو لي أن الحروب بين الأمم لا مناص منها. . . وحين لا توجد حرب أهلية يتباغض المواطنون ويتحاسدون. وهذه الحرب الأهلية الكامنة أليست أمقت الحروب جميعًا؟ وإن تحقق حلم أنصار السلام كان ذلك نهاية الإنسانية في أجل قريب. . . إن حلمهم يعبر عنه يجعل كريمة جدًا ومؤثرة جدًا: يقولون إن الإنسان المتخلص من هموم الحرب يتمم صنيع العلم العظيم. . . لا أحد يحب العلم أكثر من حبي إياه، لكن لا أحد