واقعية. وهذه الحقيقة أو هذه الواقعية في الموضوع قادت أسلوب فلوبير إلى الصورة المعبرة والكلمة الحقيقية والوزن المنسجم والرقابة على خياله حتى لحق أسلوبه بالكلاسيكية في كثير من مظاهره، وبعد عن الرومانتيكية باعتماده على الواقع؛ فقد كان يجمع بين حقيقة العبارة والكلمة في معناها الحاضر، وبين حقيقتهما في معناهما الدائم المعروف.
وكان إدموند، وجول دي كونكر، من أصحاب نظرية المصادر (العالم الخارجي) لكنهما لم يقفا موقفًا فاترًا باردًا أمام هذه المصادر فكانا فنانين تلتهب أعصابهما وتتألم لتألم الإنسانية (العالم الداخلي) فابتكروا صورًا وكلمات جديدة وأخضعاها لإحساسهما وخيالهما حتى قادها هذا الازدواج من ناحية إلى مذهب الطبيعة ومن ناحية أخرى إلى مذهب الثائريين
بعدما تقدم ننكر الأدب وننكر رسالة الأديب بل ننكر طبيعة النفس إن حاولنا أن نجعل من الأدب أداة وصفية لما يقع تحت أسماعنا وأبصارنا لنكون واقعيين من غير أن نتعرض لما تحدثه هذه المناظر والمشاهد في نفوسنا من ألم وامتعاض أو لذة ومسرة، وننكر رسالة الأدب ونمنع عنها مددًا غريرًا إن حاولنا أن نصف نفوسنا وأن نفرضها فرضًا على قارئينا في غير رعاية للواقع وللحياة. إن الذكاء في آخر تحليلاته معناه إدراك العالم الخارجي والداخلي معًا، فالذكي هو الذي أدرك شيئًا ما وأدرك أنه المدرك لذلك الشيء. وللأدب ذكاؤه وحساسيته.
دكتور إبراهيم سلامة