نجد القرآن قد شبه بالجبال في موضعين فقال: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) ، وقال: (ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام) ولكنك تراه قد آثر كلمة الجبال عند الموج لما أنها توحي بالضخامة والجلال معًا، أما عند وصف السفن فقد آثر كلمة الأعلام جمع علم بمعنى جبل؛ وسر إيثارها هو أن الكلمة المشتركة بين عدة معان تتداعى هذه المعاني عند ذكر هذه الكلمة، ولما كان من معاني العلم، الراية التي تستخدم للزينة والتجميل، كان ذكر الأعلام محضرًا إلى النفس هذا المعنى، إلى جانب إحضارها صورة الجبال، وكان إثارة هذا الخاطر ملحوظًا عند ذكر السفن الجارية فوق البحر، تزين سطحه، فكأنما أريد الإشارة إلى جلالها وجمالها معًا، وفي كلمة الأعلام وفاء بتأدية هذا المعنى أدق وفاء. وشبه القرآن الموج في موضعين، فقال: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) وقال: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) وسر هذا التنويع أن الهدف في الآية يرمي إلى تصوير الموج عاليًا ضخمًا مما تستطيع كلمة الجبال أن توحي به إلى النفس، أما الآية الثانية فتصف قومًا يذكرون الله عند الشدة وينسونه لدى الرخاء، ويصف موقفًا من مواقفهم كانوا فيه خائفين مرتاعين، يركبون سفينة تتقاذفهم الأمواج، ألا ترى أن الموج يكون أشد إرهابًا وأقوى تخويفًا، إذا هو ارتفع حتى ظلل الرءوس، هنالك يملأ الخوف القلوب، وتذهل الرهبة النفوس، وتبلغ القلوب الحناجر، وفي تلك اللحظة يدعون الله مخلصين له الدين، فلما كان المقام مقام رهبة وخوف، كان وصف الموج بأنه كالظلل أدق في تصوير هذا المقام وأصدق. وعلى طريقة إيثار كلمة الأعلام على الجبال التي تحدثنا عنها آثر كلمة القصر على الشجر الضخم، لأن الاشتراك في هذه الكلمة بين هذا المعنى، ومعنى البيت الضخم يثير المعنيين في النفس معا فتزيد الفكرة عن ضخامة الشراء رسوخًا في النفس. وآثر القرآن كلمة (بنيان) في قوله سبحانه: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) لما تثيره في النفس من معنى الالتحام والاتصال والاجتماع القوي وغير ذلك من معان ترتبط بما ذكرناه، مما لا يثار في النفس عند كلمة حائط أو جدار مثلًا.
واختار القرآن كلمة (لباس) ، في قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم، وأنتم لباس لهن) ، لما توحي به تلك الكلمة من شدة الاحتياج كاحتياج المرء للباس، يكون مصدر راحة وعنوان زينة معًا.