الإيطالي رجلًا شريرًا سفاحًا يغرم بنحر الآراء التي يخاصمها، فمن أجل هذا قام يسن سلاحه للإنجليزي. وفي ذات ليلة، وهو قائم وحده في معمله، بعيدًا عن جلبة الإعجاب التي تتحشى بها دروسه، بعيدًا عن زئاط الصالونات البهيجة حيث تتظرف له السيدات وتتلطف معجبة بذكائه وسعة علمه، في تلك الليلة خال أنه وجد الثغرة التي طلبها في تجارب (نيدم) . فمضع ريشته، وأمر أصابعه خلال شعره المشعث، ثم قال: (لماذا ظهرت تلك الأحياء في مرق اللحم وفي نقيع الحب؟ لأن(نيدم) بلا شك لم يسخن زجاجته تسخينًا كافيا، لأن (نيدم) لم يحكم سد زجاجته إحكامًا كافيًا)
وبدأ شيطان البحث الصادق يستيقظ في نفسه. فلم يذهب إلى مكتبه ليكتب لنيدم بالذي ارتأى، وإنما فزع إلى معمله الترب قد تناثر في أرجائه الزجاج من كل صنف، فأخذ من هذا الركن قبابة، ومن هذا الدرج بذورًا، ونفض التراب عن مجهره، وبدأ يمتحن موقع ظنه من الحقيقة، فأما أن ينصره، وإما أن يقهره. إن (نيدم) لم يسخن حساءه تسخينًا كافيًا - وقد يكون من بعض تلك الأحياء أو من بيضها ما يحتمل المقدار الكبير من الحرارة. من يدري؟ وتناول اسبلنزاني قبابات من الزجاج كبيرة، عظيمة البطن، مستدقة العنق، وأخذ يغسلها ويدلكها ويدعكها، ثم جففها وصففها فبرقت على النضد فكانت كالجند لبس السلاح في ضحوة الصباح. ثم جاء بأصناف مختلفة من البذور ووضع شيئًا من كل صنف في قبابه، ثم جاء بشيء من البسلة وشي من اللوز ووضع كلا في قبابه، ثم صب ماء في القبابات جميعا، ثم صاح: (ولآن لن أقع في الخطأ الذي وقع فيه(نيدم) . فلن أغلي هذه الأحسية دقائق بل ساعة كاملة)، وأوقد ناره، فلما تجهزت تساءل: (ولكن ماذا أصنع لسد هذه القبابات؟ أسدها بالفلين؟ ولكن هذه مهما أحمت فلعلها لا تمنع أصغر الأحياء أن يتسرب إلى الإناء) . وأخذ يفكر: (لا. لا. بل أسيح عنق القبابة في النار فألحمه لحمًا، وأختم على الزجاجة ختمًا، فلا تعود هنالك حاجة إلى الفلين، والزجاج لن يأذن لأصغر المكروب أن يتسرب خلاله) .
وهكذا تناول قباباته البارقة قبابة قبابة، وأدار عنقها الدقيق في اللهب حتى ساح والحتم؛ وكانت تسخن بعض هذه القبابات سخونة شديدة وهي في يده فتحرقها، فتسقط القبابة فتنكسر فيسخط ويلعن، ثم يبدلها بغيرها. فلما أتم لحامها جميعًا صاح: (والآن فإلى نار