شديدة). وظل ساعات يرقب القبابات ترقص في ماء الغلايات ولم يغلها كلها مدة واحدة، فمن القبابات ما أغلاه دقائق. ومنها ما أغلاه ساعة كاملة
فلما بلغ منه الجهد، وضاقت عيناه من التعب، قام إلى أخيرة القبابات يخرجها من الماء والبخار يرتفع منها كأنها قطع اللحم المسلوق. وجمع القبابات كلها واختزنها، واصطبر أيامًا على أخر من الجمر يداور في رأسه ما عساه أن يحدث فيها، وقام بشيء آخر كدت أنساه، شيء بسيط جدًا: قام يكرر ما صنع من جديد، فجهز عددًا من القبابات كالتي سلف ذكرها، ولكن بدل أن يلحم رقابها سدها بالفلين، ثم غلاها ساعة كاملة، ثم اختزنها
ثم غاب عنها أيامًا أمضاها في قضاء ألف مشغلة من مشاعل الحياة التي لم تكن تكفي لاستنفاد نشاطه الجم الكثير. وكتب إلى العالم الطبيعي (بونت في سويسرا ينبئه بتجاربه، وقام إلى كرة القدم وأخذ نصيبًا من اللعب، وضرب في الريف يطلب صيده، وذهب إلى البحر يتلهى بسمكة، وألقى دروسًا في العلم، وحاضر طلبته في كل ما هب ودب، في كل ما ثقل من العلم وجف، وفي كل ما خف منه وطاب، ثم اختفى فجأة. وتساءل الطلبة والأساتذة:(أين الأب اسبلنزاني؟) وتساءلت الهوانم أيضًا: (أين الأب اسبلنزاني؟)
الأب اسبلنزاني ذهب إلى قباباته
ذهب أول شيء إلى قباباته الملحومة، وكسر رقابها واحدة بعد أخرى، وغاص في مرقها بأنبوبة طويلة رفيعة لينال منه شيئًا، ثم لينظر هل تكونت فيه تلك الأحياء الضئيلة على الرغم من تسخينه إياه طويلًا، وعلى الرغم من عزله إياه هذا العزل المحكم عن الهواء وما قد يعلق بترابه من الأحياء. لم يكن اسبلنزاني في تلك الساعة اسبلنزاني المرح البشوش الضحوك. كان في حركته بطء وفي وجهه وجوم. كان يتحرك كرجل آلي صنعوه من الخشب، وأخذ ينقط من المرق القطرة بعد القطرة تحت عدسته
وكانت تلك القطرات من القبابات الملحومة التي أغلاها ساعة كاملة، وكان جزاؤه على كل متاعبه أنه رأى - لا شيء! وبسرعة البرق توجه إلى القبابات التي لم يكن أغلاها غير دقائق، وإذا به يكسر رقابها، وإذا بقطرات منها تحت عدساته، وإذا به يصيح: (ماذا أرى!) رأى في مجال البصر الأدكن حييوينات صغيرة منثورة هنا وهنا تسبح وتلعب شرقًا