فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7298 من 30278

كان رجل من أهل الشام من أسباب بني أمية نزل في حي عفراء، فنحر ووهب وأطعم، وكان ذا مال عظيم، فرأى عفراء، وكان منزله قريبًا من منزلهم، فأعجبته وخطبها إلى أبيها، فاعتذر إليه وقال: قد سميتها إلى ابن أخ لي يعدلها عندي، وما إليها لغيره سبيل، فقال له: إني أرغبك في المهر، قال: لا حاجة لي بذلك، فعدل إلى أمها، فوافق عندها قبولًا، لبذله ورغبة في ماله، فأجابته ووعدته، وجاءت إلى عقال فآدته وصخبت معه، وقالت: أي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه وقد جاءها الغني يطرق عليها بابها؟ والله ما ندري أعروة حي أم ميت؟ وهل ينقلب إليك بخير أم لا؟ فتكون قد حرمت ابنتك خيرًا حاضرًا ورزقًا سنيًا، فلم تزل به حتى قال لها: فإن عاد لي خاطبًا أجبته. فوجهت إليه أن عد إليه خاطبًا. فلما كان من غد نحر جزرًا عدة، وأطعم ووهب وجمع الحي معه على طعامه، وفيهم أبو عفراء، فلما طعموا أعاد القول في الخطبة، فأجابه وزوجه، وساق إليه المهر، وحولت إليه عفراء وقالت قبل أن يدخل بها:

يا عرو إن الحي قد نقضوا=عهد الإله وحاولوا الغدرا

في أبيات طويلة.

فلما كان الليل دخل بها زوجها، وأقام فيهم ثلاثًا، ثم ارتحل بها إلى الشام، وعمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدد وسواه، وسأل الحي كتمان أمرها.

وقدم عروة بعد أيام، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أيامًا وهو مضنى هالك، حتى جاءته جارية من الحي فأخبرته الخبر، فتركهم وركب بعض إبله، وأخذ معه زادًا ونفقة، ورحل إلى الشام فقدمها وسأل عن الرجل فأخبر به، ودل عليه، فقصده وانتسب له إلى عدنان، فأكرمه وأحسن ضيافته، فمكث أيامًا حتى أنسوا به، ثم قال لجارية لهم:"هل لك في يد تولينيها؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت: سوءة لك، أما تستحي لهذا القول؟ فأمسك عنها، ثم أعاد عليها وقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، وما أحد منا إلا وهو أعز على صاحبه من الناس جميعًا، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرقت الأمة وفعلت ما أمرها به."

فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا؟ قال: نعم، فلان بن فلان، للنسب الذي انتسب له عروة، فقالت: كلا والله يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك.

وقال عمر بن شبة في خبره: بل جاء ابن عم له فقال: أتركتم هذا الكلب الذي قد نزل بكم هكذا في داركم يفضحكم؟ فقال له: ومن تعني؟ قال: عروة بن حزام العذري ضيفك هذا، قال: أوإنه لعروة؟ بل أنت والله الكلب، وهو الكريم القريب.

قالوا جميعًا: ثم بعث إليه فدعاه، وعاتبه على كتمانه نفسه إياه، وقال له: بالرحب والسعة، نشدتك الله إن رمت هذا المكان أبدًا، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان. وأوصى خادمًا له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلما خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشكوى، وهو يبكي أحر بكاء، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه، فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حرامًا لكن قد استحللته منك، فأنت حظي من الدنيا، وقد ذهبت مني، وذهبت بعدك فما أعيش! وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأحسن، وأنا مستحيى منه، ووالله لا أقيم بعد علمه مكاني، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وانصرف.

فلما جاء زوجه أخبرته الخادم بما دار بينهما، فقال: يا عفراء، امنعي ابن عمك من الخروج، فقالت: لا يمتنع، هو والله أكرم وأشد حياءً من أن يقيم بعد ما جرى بينكما، فدعاه وقال له: يا أخي، أتق الله في نفسك، فقد عرفت خبرك، وإنك إن رحلت تلفت، ووالله لا أمنعك من الاجتماع معها أبدًا، ولئن شئت لأفارقنها ولأنزلن عنها لك. فجزاه خيرًا، وأثنى عليه، وقال: إنما كان الطمع فيها آفتي، والآن قد يئست، وقد حملت نفسي على اليأس والصبر، فإن اليأس يسلي، ولي أمور، ولا بد لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتى يقضي الله من أمري ما يشاء. فزودوه وأكرموه وشيعوه، فانصرف. فلما رحل عنهم نكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشي وخفقان؛ فكان كلما أغمي عليه ألقي على وجهه خمار لعفراء زودته إياه؛

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت