ولا بد أن يلحظ في مسنونية إسرار المأموم بالقراءة أن لا يكون ذلك في حال جهر الإمام؛ لأن حال جهره لا يسن للمأموم الإسرار لأنه يسن له الإنصات. والجمع بين مسنونية الإسرار والإنصات متناقض.
وأما قول المصنف رحمه الله: بقدر ما يُسْمع نفسه؛ فليس بقيد في مسنونية ذلك؛ لأنه لو رفع صوته بحيث يسمع من يليه فقط لكان ذلك مسرًا آتيًا بالمقصود. بل مراده أنه لا يجزئه أقل من ذلك في موضع يجب عليه القراءة. صرح به في المغني وعلله بأنه لا يكون كلامًا بدون الصوت. والصوت ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه.
فإن قيل: هلا حمل قوله ويسر غيره به على أن ذلك هو الواجب لا المسنون. ويكون قوله بقدر ما يسمع نفسه على ظاهره.
قيل: منع منه وجهان:
أحدهما: أنه عطفه على ويجهر الإمام وذلك مسنون فليكن هذا مثله.
والثاني: أن الإسرار إلى هذه الغاية ليس واجبًا؛ لأنه لو أتى بما فوق ذلك جاز حتى لو جهر به لكان آتيًا بالواجب.
قال: (ويرفع يديه مع ابتداء التكبير. ممدودة الأصابع. مضمومًا بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه) .
أما كون المصلي يرفع يديه مع ابتداء التكبير؛ [فلما روى أبو داود بإسناده عن عبدالجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني بعض أهل بيتي عن أبي أنه حدثهم «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير» [1] رواه أحمد] [2] .
ولأن [3] ابتداء التكبير أول الشروع في العبادة والرفع أول هيئاتها.
ولأن الرفع هيئة للتكبير فينبغي أن يكون ابتداؤها مع ابتدائه وانتهاؤها مع انتهائه.
وأما كون يديه ممدودة الأصابع؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مَدًا» [4] رواه الترمذي.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (725) 1: 193 كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة.
وأخرجه أحمد في مسنده (18868) 4: 316.
(2) ساقط من ب.
(3) في ب: ؛ فلأن.
(4) أخرجه أبو داود في سننه (753) 1: 200 كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع.
وأخرجه الترمذي في جامعه (240) 2: 6 أبواب الصلاة، باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير.