فهي معارضة بالمثل أنتجت الحق الصحيح المطابق لكلام رب العالمين الذي هو نقيض الباطل الذي أنتجه الدليل الباطل. فتحصل أن قول نافي الاستواء: لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للخلق باطل من جهات كثيرة منها على طرق المناظرة منع كبرى الدليل ومنها معارضته بمثله ومنها نقضه في الجملة باستلزام مثله المحال لأن مثله مستلزم نفي السمع والبصر بنفس الدليل المذكور ونفيهما محال. وكل دليل أدى إلى المحال فهو محال وذلك في فن البحث والمناظرة من صور النقض الإجمالي كما تقدم إيضاحه لكنه هنا ليس نقضا محضا ولكنه يشبهه شبهًا قويًا من حيث إن المحال يستلزمه مماثل الدليل لا نفس الدليل. فبان أن استواءه جل وعلا على عرشه لا تلزمه مشابهة المخلوق البتة بل هو تعالى قد استوى على عرشه كما قال: من غير مشابهة ولا مماثلة لاستواء المخلوق. والاعتراف بهذا يلزم الخصم لزوما لا تخلص له منه لاعترافه بنظيره في كونه تعالى سميعًا بصيرا قادرا مريدا إلخ وأنه لم يلزم من ذلك مشابهة المخلوقات التي تسمع وتبصر وتقدر وتريد. وكلهم يعترفون بأنه موجود والمخلوق موجود ولم تلزم من ذلك المشابهة والجميع من باب واحد والفرق بين صفة وصفة من ذلك لا وجه له البتة ولا يقوم عليه دليل أبدا كما لا يخفى - وتبين أن قولهم لو كان مستويا على العرش لشابه الخلق شرطية كاذبة وأنها لا تصدق إلا جزئية كما لو سورت بسور جزئي فقيل فيها: قد يكون إذا كان الشيء، مستويا على مخلوق كان مشابها للمخلوق لأن الاستواء على المخلوق قسمان قسم تلزمه مشابهة المخلوق وهو استواء المخلوق وقسم لا يلزمه ذلك وهو استواء الخالق جل وعلا لأنه لا يشبهه استواء المخلوق بوجه من الوجوه كما أن سائر صفاته جل وعلا لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين وكما أن ذاته جل وعلا لا تشبه شيئا من ذواتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا: