قد قدمنا أن التقسيم في هذه الآية عقلي وإنما كانت الأقسام ثلاثة لأنهما تقسيمان عقليان قطعيان لأنا نقول إما أن يكونوا خلقوا بلا خالق أصلا أو خلقهم خالق وهذا تقسيم عقلي قطعي لحصره في الشيء ونقيضه ثم نقسم القسم الثاني الذي هو قولنا أو خلقهم خالق فنقول لا يخلو ذلك الخالق من أن يكون أنفسهم أو ليس بأنفسهم وهذا أيضا تقسيم عقلي قطعي لحصره في الشيء ونقيضه فصارت الأقسام في التقسيمين ثلاثة الأول كونهم خلقوا بلا خالق أصلا الثاني أنهم خلقوا أنفسهم الثالث أنهم خلقهم خالق غير أنفسهم فهذا التقسيم العقلي الصحيح جزء الدليل التصديقي وجزء، الآخر هو سبر هذه الأقسام الثلاثة واختيارها وتمييز الصحيح منها من الباطل وبالسبر الصحيح يتبين أن القسمين الأولين وهو أنهم خلقوا بدون خالق أو أنهم خلقوا أنفسهم باطلان غاية البطلان كما لا يخفى وأن القسم الثالث وهو أنهم خلقهم خالق صحيح لاشك فيه وهذا الخالق الذي خلقهم هو خالق السموات والأرض ومن فيهما سبحانه وتعالى علوا كبيرا فالقسم الصحيح من الأقسام حذف في الآية لدلالة المقام عليه فدل التقسيم والسبر المذكوران على أن لهم خالق هو الذي خلقهم وهو الذي يستحق عليهم أن يعبدوه وحده فكونهم خلقهم خالق تصديق وكان التقسيم جزء الدليل عليه ومن المعلوم أن الحصر والتقسيم إن كانا قطعيين كان السبر والتقسيم دليلا قطعيا كالآية التي مثلنا بها فدلالتها على أنه تعالى هو الخالق المستحق للعبادة وحده
قطعية لأن الحصر والإبطال فيهما قطعيان.