تنبيه: اعلم أن من المقرر في فن المنطق أن من أنواع تقسيم القضايا تقسيمها إلى قضية خارجية وقضية حقيقية وإيضاح الفرق بينهما أن كل قضية اعتبر في صدق عنوانها على مفهومه الذي هو حقيقة الموضوع وجود الأفراد الخارجية في أحد الأزمنة الثلاثة فهي المسماة بالخارجية لوجود أفراد موضوعها في الخارج، وأما إن لم يعتبر وجودها في الخارج بل اكتفي فيها بتقدير الوجود مع كونه غير واقع بالفعل فهي المسماة بالحقيقة ومثال الخارجية كل إنسان حيوان لأن العنوان الذي هو لفظ الإنسان في هذا المثال معتبر في صدقه وجود أفراده في الخارج كزيد وعمرو ومثال الحقيقة قولك العنقاء طائر عجيب الشكل طويل العنق يصطاد الصبيان وصغار البقر لأن العنقاء طائر تتخيله العرب ولا وجود لفرد من أفراده في الخارج البتة ولذلك كانوا يضربون المثل للمفقود الذي لا طمع في وجوده بحال بقولهم طارت به العنقاء ومن أمثلة الحقيقة تعريف الصَّفَر بأنه دابة في جوف الإِنسان تعض على شراسيفه إذا جاع والشراسيف أصول الأضلاع لأن الصفر شيء، تتخيله العرب مع أنه لا وجود له في الخارج ومنه قول أعشى بأهله:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ……ولا يعض على شرسوفه الصفر
قولهم العنقاء طائر والصفر دابة لم يعتبر في صدق عنوانه على موضوعه الوجود الخارجي بل اكتفى بتقدير الوجود لأن الطائر والدابة المذكورين لو فرض وجودهما في الخارج لصدق عليهم الاسم وقد أشرت في أُرجوزتي في فن المنطق إلى الفرق بين الخارجية والحقيقة بقولي:
كل قضية على ما ذكروا …في صدق عنوان لها يعتبر
وجود موضع لها في الحال …أو المضي أو الاستقبال
فخارجية على المعهود……وحيث لا اعتبار بالوجود
بل كان بالتقدير للوجود…مع…كون الوجود خارجا قد لا يقع
فهي الحقيقة والفرق أضا …بينهما بأنه لو فرضا
الحصر للألوان في السواد …في خارج والغير ذو انفقاد
فقولك البياض لون فند ……بحسب الأول إذ لا يوجد