وقد قدمنا تعريف التصديق بإيضاح وذكرنا انقسامه إلى ضروري ونظري وبينا أمثلة ذلك في الاصطلاح المنطقي وهو عند أهل الفن ينقسم إلى تصديق بديهي وتصديق نظري، والتصديق البديهي عندهم هو ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال سواء كان محتاجا إلى تنبيه أو كان غير محتاج إليه والتصديق البديهي عندهم ينقسم بالتقسيم الأول إلى قسمين الأول البديهي الجلي والثاني البديهي الخفي والبديهي الجلي ينقسم عندهم إلى أربعة أقسام. الأول البديهي الأول وضابطه
أن كل قضية يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها بمجرد تصورهما أعني الموضوع والمحمول من غير احتياج إلى واسطة أصلا كقولك الواحد نصف الاثنين والكل أكبر من الجزء والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ونحو ذلك فإن مجرد تعقلك للواحد والنصف والاثنين وتعقلك للكل والعظم والجزء وتعقلك للنقيضين وللارتفاع والاجتماع يجعلك تحكم بثبوت المحمول للموضوع في الأمثلة الثلاثة المذكورة كما هو واضح من غير احتياج إلى شيء زائد.
القسم الثاني من أقسام البديهي الجلي هو ما يسمونه البديهي الجلي الفطري وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع بعد تصورهما بواسطة قياس اقتراني طبيعي بمعنى أنه مركوز في طبيعة الإنسان لا يمكن أن يغيب عن ذهنه للزوم إدراكه لإدراك طرفي القضية كالحكم على الأربعة بأنها زوج لأنك إذا تصورت معنى الأربعة والزوجية لزم عقلا أن تدرك أنها عدد منقسم إلى متساويين وتدرك أن كل عدد منقسم إلى متساويين فهو زوج وصورة القياس الطبيعي المذكور أن تقول الأربعة عدد منقسم إلى متساويين وكل عدد كان كذلك فهو زوج ينتج من الشكل الأول الأربعة زوج وهذا القياس لا يغيب عن ذهنك وهذه النتيجة هي ما يسمى بالبديهي الجلي الفطري وقد قدمنا ما يزيد هذا إيضاحا في الكلام على أنواع الدلالة في مبحث اللزوم في الذهن والخارج معا.