أنشىء مقامات أتلو [1] فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظّالع [2] شأو الضّليع، فذاكرته بما قيل فيمن ألّف بين كلمتين، ونظم بيتا أو بيتين [3] . واستقلت [4] من هذا المقام الّذي فيه يحار [5] الفهم، ويفرط الوهم [6] . ويسبر [7] غور العقل [8] ، وتتبيّن قيمة المرء [9] في الفضل. ويضطرّ صاحبه إلى أن يكون كحاطب ليل [10] ، أو جالب رجل [11] وخيل. وقلّما سلم مكثار [12] ، أو أقيل له عثار [13] . فلمّا لم يسعف بالإقالة، ولا أعفى [14] من المقالة، لبّيت دعوته [15] تلبية المطيع، وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع، وأنشأت على ما أعانيه [16] من قريحة [17] جامدة، وفطنة [18] خامدة، ورويّة [19] ناضبة [20] ، وهموم ناصبة [21] ، خمسين مقامة [22] تحتوي على جدّ القول وهزله، ورقيق اللّفظ [23] وجزله،
(1) أتبع ومصدره تلو بكسر التاء وتخفيف الواو.
(2) بالظاء المعجمة الذي يغمز في مشيته والظالع أيضا المائل عن الطريق القويم والضليع السمين القوي والضلاعة قوة الاضلاع.
(3) هذه إشارة إلى قولهم من ألف كتابا أو قال شعرا فإنما يعرض على الناس عقله فإن أصاب فقد استهدف وإن أخطأ فقد استقذف وقولهم لا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يقل شعرا أو يؤلف كتابا.
(4) طلبت الإقالة.
(5) أي يتحير ويتردد.
(6) أي يسبق القلب إلى الغلط.
(7) يجرّب ويختبر.
(8) الغور العمق أي يعلم نهاية عقله.
(9) إشارة إلى قوله: قيمة كل امرىء ما يحسن.
(10) أراد به من يخلط في كلامه بين الصحيح والفاسد مثل الحاطب بالليل يخلط بين جيد الحطب ورديئه وربما يلسع ولا يدري.
(11) جمع راجل وهو الماشي على رجليه ومراده من الخيل هنا الفوارس.
(12) كثير الكلام.
(13) أي صفح عن عيبه وزلته.
(14) أي تجاوز وترك.
(15) أي أجبته من قولك لبّيك.
(16) أي أحتمل مشقته وأقاسيه.
(17) القريحة الطبيعة وهي في الأصل ما يستنبط من البئر استعيرت للطبع.
(18) هي الفهم والذكاء.
(19) هي الفكرة من روّى في الأمر إذا فكر.
(20) أي غائرة بمعنى ناقصة.
(21) أي ذات نصب وهو التعب.
(22) المقامة المجلس والجمع مقامات ويقال مقام ومقامة.
(23) هو السهل العذب والجزل هو الفصيح.