أرحل الآن إلى الرّهى [1] ، وأنّى يلتقي سهيل والسّهى [2] ! فلمّا حضرت الوالي وقد خلا مجلسه، وانجلى تعبّسه [3] ، أخذ يصف أبا زيد وفضله، ويذمّ الدّهر له، ثمّ قال: نشدتك الله [4] ألست الّذي أعاره الدّست؟ فقلت: لا، والّذي أحلّك في هذا الدّست، ما أنا بصاحب ذلك الدّست! بل أنت الّذي تمّ عليه الدّست [5] !! فازورّت مقلتاه [6] ، واحمرّت وجنتاه، وقال: والله ما أعجزني [7] قطّ فضح مريب [8]
ولا تكشيف معيب [9] ، ولكن ما سمعت بأنّ شيخا دلّس [10] ، بعد ما تطلّس [11]
وتقلّس [12] ، فبهذا تمّ له أن لبّس [13] . أفتدري أين سكع [14] ذلك اللّكع [15] ؟ قلت:
أشفق [16] منك لتعدّي طوره [17] ، فظعن [18] عن بغداد من فوره [19] . فقال: لا
(1) بالضم والكسر بلدة بالجزيرة بينها وبين حرّان ستة فراسخ وكنيسة الرهى إحدى عجائب الدنيا.
(2) أي من أين يلتقيان وهو استبعاد لتلاقيهما لأن سهيلا نجم يمان عند القطب الجنوبي والسهى نجم صغير خفي في بنات نعش وهو شامي كالثريا ألا ترى كيف قال معن بن أبي ربيعة في سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وقد تزوج الثريا من بني أمية مستبعدا لاجتماعهما:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان.
(3) أي زال تقطب وجهه.
(4) أي سألتك بالله.
(5) معرب الأول بمعنى اللباس والثاني صدر المجلس أو الوسادة والأخير بمعنى دست القمار في اصطلاحهم إذا خاب قدح أحدهم ولم يفز قيل تم عليه الدست.
(6) أي انقلبت ومالت عيناه.
(7) غلبني.
(8) أي فضيحة من يجيء بالريبة والعيب.
(9) أي إزالة عيب.
(10) التدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري والمراد هنا المخادعة.
(11) لبس الطيلسان وهو لباس الخواص.
(12) لبس القلنسوة.
(13) أي خلط ويوجد في بعض النسخ بعد قوله لبس ما نصه فما كنية ذلك القريد فقلت أبو زيد فقال: إنه بأبي كيد أليق منه بأبي زيد أفتدري. إلخ.
(14) ذهب وتوجه وسار.
(15) اللئيم الدنيء القدر.
(16) أي خاف.
(17) أي لتجاوز حده.
(18) رحل.
(19) أي في الحال من غير تريّث وهو في الأصل مصدر فارت القدر إذا علت فاستعير للسرعة.