"قال علماؤنا: سوى الله سبحانه وتعالى بين الأبوين مع وجود الولد , وفاضل بينهما مع عدمه في أن جعل سهميهما للذكر مثل حظ الأنثيين , والمعنى فيه: أنهما يدليان بقرابة واحدة وهي الأبوة , فاستويا مع وجود الولد؛ فإن عدم الولد فضل الأب الأم بالذكورة والنصرة ووجوب المؤنة عليه , وثبتت الأم على سهم لأجل القرابة" (28) .
وقال الأمام القرافي المالكي رحمه الله في ملاحظة تسوية الأب بالأم في إعطائها السدس عند وجود الولد:
"وسويت الأم به لأنه من باب ملاحظة أصل البر لا من باب تحقيق أصل المستحق" (29) .
ثم لا يلزم من التسوية بين الأب والأم في الميراث في بعض الأحوال , جواز تفضيلها عليه في غيرها؛ فإن ذلك خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
"وقد عهدنا الله سبحانه أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد , وساوى بينهما في وجود الولد , ولم يفضلها عليه في موضع واحد , فكان جعل الباقي بعد نصيب أحد الزوجين أثلاثا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان" (30) .
وحمل ابن حزم رحمه الله لواء التشنيع على مذهب جمهور العلماء بأنه من قبيل الرأي المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي , مستدلا على ذلك بأثر عن عكرمة رحمه الله , قال: (أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؟ , فقال: للزوج النصف , وللأم ثلث ما بقي , فقال ابن عباس: أتقوله برأيك أم تجده في كتاب الله تعالى؟ , قال زيد: أقوله برأيي , لا أفضل أما على أب) (31) .
قال ابن حزم رحمه الله في وجه الدلالة من هذا الأثر على ما مذهب إليه:
"فلو كان لزيد بالآية متعلق ما قال: (أقوله برأيي لا أفضل أما على أب , ولقال: بل أقوله بكتاب الله عز وجل"(32) .
ويمكن القول أيضا: بأن ابن عباس t إنما قاله برأيه كذلك , ففي رواية أخرى للأثر السابق عند البيهقي , يقول عكرمة: (فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته , فقال ابن عباس: وأنا أقول برأيي للأم الثلث كاملا) (33) , فهذا رأي صحابي مقابل رأي آخر فلا رجحان لأحدهما على الآخر , كما قال زيد بن ثابت t في الأثر السابق لابن عباس t: ( إنما أنت رجل تقول برأيك , وأنا رجل أقول برأيي) .
ولكن لا نظن أن هذه الآراء صدرت عن مجرد التشهي والهوى والتعصب؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم من أبعد الناس عن ذلك , وأكثرهم تنزها عنه , وإنما كانت معتمدة على الفهم لكلام الله تعالى وكلام رسوله r , وإن تباينت تلك الأفهام.
يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
"وهذا مما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل , أو بالاعتبار الأولى , أو بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه الأصلين به , أو تنبيه اللفظ , أو إشارته وفحواه , أو بدلالة التركيب …" (34) .
ولعل الذي يبدو في تعليل وصف الصحابة لأحكامهم التي استنبطوها من الكتاب والسنة بأنها رأي , ونسبته إلى ذواتهم؛ تورعهم عن نسبة شئ إلى الشرع لم ينص عليه , وإنما فهموه بواسطة الدلالات الواردة في النص السابق , والأفهام محل لوقوع الخطأ والزلل , فتحرجوا أن يقولوا: أن ذلك هو حكم الله , أو نقوله بكتاب الله , وهذا منهج نبوي تلقاه الصحابة عنه عند فقد الجزم بنسبة الحكم إلى الشرع , ومن شواهد ذلك: الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه يرفعه إلى النبي r , وفيه: (وإذا حاصرت أهل حصن , فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله , فال تنزلهم على حكم الله , ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟) (35) .
وبعد ذلك فلا نجد محلا لعبارة ابن حزم رحمه الله:
"ولقال: بل أقوله بكتاب الله عز وجل" (36) .
ومما يؤيد ما ذكرناه من اعتماد الصحابة في آرائهم على الكتاب والسنة وما فهموه من مقاصد الشريعة , أن ابن حزم رحمه الله نفسه قد نبه إلى معتمد ابن عباس t في رأيه , فقال:"ونص القرآن يوجب صحة r قول ابن عباس بقوله تعالى:] … فلأمه الثلث [, فهذا عموم لا يجوز تخصيصه" (37) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)