الخلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمرت خلافته عشرسنوات ونيف، وعلى هذا فإن عمر محمد بن أبي بكر عند وفاة الفاروق عمر كان قريب الثلاثة عشر ربيعًا، وخلال هذه الفترة لم يتول محمد بن أبي بكر الصديق أي مسؤولية تذكر، وذلك لحداثة سنه وصغره وقلة خبرته كما هو حال معظم أترابه من أبناء المؤمنين، ولم يكن له ذكر في كتب التاريخ والسير في فترة خلافة الصديق وإبن الخطاب رضي الله عنهما سوى ما كان من وجوده ربيبًا عند زوج أمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وبعد إستشهاد الفاروق عمر رضي الله عنه دخلت الأمة الإسلامية منعطفًا خطيرًا، وانتشرت الفتن كقطع الليل المظلم، كيف لا؟؟ والفاروق كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب الذي يحجز الفتن ففي الحديث الذي رواه مسلم (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن العلاء أبو كريب، جميعا عن أبي معاوية، قال ابن العلاء: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: ما لك ولها، يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله فسأله، فقال: عمر) [1] ، وقد فهم حذيفة وغيره من هذه الحديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه باب عظيم يمنع وقوع الفتنة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الباب - أي عمر - سيكسر لا يفتح كناية عن قتله، وقتله رضي الله عنه كان فتنةً عظيمةً، وأن هذا الباب إذا فتح لن يغلق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، وقد نقل إبن حجر في شرحه لصحيح البخاري عن إبن بطال قوله: إنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله، ومن ثم قال له إن بينك وبينها بابًا مغلقًا ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم أنه الباب، فعرض له بما فهمه ولم يصرح وذلك من حسن أدبه، وقول عمر إذا كسر لم يغلق أخذه من جهة أن الكسر لا يكون إلا غلبة، والغلبة
(1) . صحيح مسلم (4/ 2218) .