فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 107

غيرهم، وإنما سبقهم إليه الصديق والفاروق، فإن كان عيبًا ونقصًا فهو مقلد لهما في هذا الأمر وليس مبتدعًا، وبذلك هو يقول لمحمد أنت بعيبك علينا إنما تعيب على أبيك فعله، ولذلك وصفه بأنه الزاري بأبيه كما هو الحال في مطلع الرسالة المزعومة، كما أخذ معاوية في تذكير محمد بن أبي بكر بجريمته النكراء مع صاحبه ويقصد به هنا محمد بن أبي حذيفة تجاه عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك بتأليب الناس عليه حتى خرجوا عليه وقتلوه.

وأشير هنا أننا لا ننكر أن تكون هناك مكاتبات قد جرت بين معاوية ومحمد بن أبي بكر، وبقية أطراف الصراع، فهذا مما عهد به بين المتخاصمين، ولكننا ننكر هذه المكاتبات التي لا تليق بزمن الصحابة الكرام، لما فيها من نكارة في المتون تارة، ومن ضعف في السند تارة وخلوها منه تارة أخرى، وإنما جاءت هذه المكاتبات المزعومة من صنع الرافضة وأتباعهم لتشويه صورة الصحابة النقية، وللأسف لقد إنطلت هذه الخديعة على الكثير من الكتاب فذكروها في كتبهم على أنها حقائق ومسلمات مما ساهم دون قصد في تشويه التاريخ الإسلامي وقلب الحقائق.

إنتهى أمر المكاتبات بين الطرفين دون فوائد تذكر، فكل طرف منهم أضحى مصرًا على مواقفه وآرائه، فما كان من محمد بن أبي بكر إلى أن وقف خطيبًا في الناس في مصر يحثهم على القتال، فقال بعد أن حمد الله تعالى: (أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلال، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود عباد الله! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله، إنتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر) [1] , وقد كان محمد بن أبي بكر يطمع في أن يمده علي بن أبي طالب بالرجال والسلاح، وقد حاول علي ذلك لكن الأمر لم يستتب له لأن أهل العراق خذلوه كما بين ذلك إبن الأثير في الكامل فقال: (وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد، ثم قام في الناس خطيبًا، وأخبرهم خبر مصر، وقصد عمرو إياها، وندبهم إلى إنجادهم، وحثهم على ذلك، وقال: أخرجوا بنا إلى الجرعة، وهي بين الكوفة والحيرة، فلما كان الغد خرج إلى الجرعة، فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار، فلم يأته أحد، فرجع، فلما كان العشي إستدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال: الحمد لله على ما قضى من أمره، وقدر من فعله، وابتلاني بكم، أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت، ولا تجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بمصركم والجهاد على

(1) . تاريخ الطبري (5/ 103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت