أرسلت له حنظلة الكاتب [1] فقال: يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها؟ وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم؟ قال: ما أنت وذاك يا بن التميمية! فقال: يا بن الخثعمية، إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف [2] ، ولم تكن هذه الرسالة خاصة بمحمد بن أبي بكر وحده، وإنما كانت محاولة من السيدة عائشة وبقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لفض الثائرين عن عثمان، ولإثارة الرأي العام عليهم منذ بدأ تفكيرهم في الذهاب إلى مكة، وهذا هو ما أكد عليه الإمام إبن العربي، فقال: إن تغيب أمهات المؤمنين مع عدد من الصحابة كان قطعًا للشغب بين الناس رجاء أن يرجع الناس إلى أمهاتهم، وأمهات المؤمنين، فيرعوا حرمة نبيهم ويستمعوا إلى كلمتهن التي طالما كانوا يقصدونها من كل الآفاق، أي أن خروجهن كان نوعًا من التفريق لهذه الجموع؛ حيث كان معروفًا عند الناس التماس رأيهن وفتاويهن، وكنَّ رضوان الله عليهنَّ لا يتصورن أن يصل الأمر بهؤلاء الناس إلى قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه [3] .
لم تكن السيدة عائشة رضي الله عنها الوحيدة التي حاولت أن تنقذ أخاها من براثن الفتنة التي أشعل نارها السبئية الحاقدون على الدين الحنيف، بل كانت هناك أخريات من هذا الجيل القرآني الفريد الذي تربى على يد خير البشرية جمعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حاولن التصدي لهذه الفتنة، وإقناع من سلك طريقها بالعدول عنها، وقد ذكر الطبري في تاريخه بسند عن السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد رسالة وجهت من ليلى بنت عميس [4] إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب [5] لثنيهما عن الإستمرار في الخروج على عثمان رضي الله عنه حيث قالت: (المصباح يأكل نفسه ويضئ للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيه، فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم
(1) . حنظلة الكاتب هو حنظلة بن الرَّبيع بن صيفيّ التميمي: صحابي، يقال له (حنظلة الكاتب) لأنه كان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، شهد القادسية ونزل الكوفة وتخلف عن عليّ يوم الجمل. ونزل قرقيسياء (بين الخابور والفرات) حتى مات في خلافة معاوية، أنظر الأعلام للزركلي (2/ 286) .
(2) . تاريخ الطبري (4/ 386) .
(3) . العواصم من القواصم لإبن العربي (1/ 152) .
(4) . لم أجد ترجمة لليلى بنت عميس، ويترجح لي أنه قد حدث تصحيف في رواية الطبري هذه فلعلها سلمى بنت عميس أو أختها أسماء بنت عميس رضي الله عنهما.
(5) . ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وله رؤية، أمه أسماء بنت عميس، فهو أخ لمحمد بن أبي بكر من أمه، وأستشهد محمد بتستر، أنظر الإستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي (3/ 1368) ، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم