لغيركم غدًا فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرةً عليكم غدًا فلجَّا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان، وتقول: ما صنع بكما! ألا ألزمكما الله ... ) [1] .
أقول: الرواية الأولى والتي ذكرت أن السيدة عائشة رضي الله عنها حاولت إستتباع محمد بن أبي بكر للحج ضعيفة لأنها من مرويات سيف بن عمر، وقد ذكر الدكتور محمد الغبان أن لبعض هذه الرواية شواهد صحيحة منها محاولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنقاذه، وإلقاء عمامته في الدار ليدل على محاولته مساعدة عثمان رضي الله عنه، ومنها كذلك مجيء أم حبيبة رضي الله عنها لمساعدة عثمان وضربهم لوجه بغلتها ورجوعها [2] .
والرواية الثانية عن نصيحة ليلى بنت عميس في سندها سيف وهو ضعيف كما تبين سابقًا، وفيها كذلك شعيب بن إبراهيم وفيه جهالة ذكره ابن عَدِي وقال: ليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيه بعض النكرة وفيها ما فيه تحامل على السلف [3] ، وبذلك لا تصح كلا الروايتين عن هذه الرسائل أو المناصحة لمحمد بن أبي بكر في ترك حصار عثمان رضي الله عنه والله أعلم.
ذكر الطبري في تاريخه رواية قد يعلم من خلالها أن محمد بن أبي بكر ندم وتاب عن خروجه على عثمان ومشاركته في حصار عثمان يوم الدار، وكان ذلك قبل مقتل عثمان بقليل، فقد أسند الطبري فقال: (قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن مسلم، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة، قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان، دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب، فقال له مروان: الآن تندم! أنت أشعرته، فأسمع سعدًا يقول: أستغفر الله، لم أكن أظن الناس يجترئون هذه الجرأة، ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك، فنزع عن كل ما كره منه، وأعطى التوبة، وقال: لا أتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أتوب وأنزع فقال مروان: إن كنت تريد أن تذب عنه، فعليك بابن أبي طالب، فإنه متستر، وهو لا يجبه، فخرج سعد حتى أتى عليًا وهو بين القبر والمنبر، فقال: يا أبا حسن، قم فداك أبي وأمي! جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد، تصل رحم ابن عمك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقن دمه، ويرجع الأمر على ما نحب، قد أعطى خليفتك من نفسه الرضا، فقال علي: تقبل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلت أذب عنه حتى إني لأستحي، ولكن مروان ومعاويه وعبد الله بن
(1) . تاريخ الطبري (4/ 387) .
(2) . . فتنة مقتل عثمان بن عفان للغبان (2/ 581) .
(3) . أنظر لسان الميزان (4/ 247) .