إنتهت موقعة الجمل بإنتصار جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان ذلك بعد عقر جمل عائشة رضي الله عنها وتفرق الناس من حوله، وكما تبين فقد أُرسلت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى دار عبد الله بن خلف في البصرة، فأساء بعض الغوغاء إليها، فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتجهيزها بما تحتاج إليه أثناء عودتها إلى المدينة، وبعثها معها أخيها محمد بن أبي بكر مع أربعين من نسوة البصرة إختارهن لمرافقتها، وأذن للفل ممن خرج عنها أن يرجعوا معها، ثم جاء يوم ارتحالها فودّعها واستعتبت له واستعتب لها، ومشى معها أميالًا وشيّعها بنوه مسافة يوم، وذلك غرّة رجب، فذهبت إلى مكة فقضت الحج ورجعت إلى المدينة [1] ، وقد ذكر إبن الأثير والطبري وغيرهم هذه الحادثة ببعض الزيادة عما ورد في رواية إبن خلدون (ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها، وحضر الناس، فخرجت وودعتهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وبين أحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. وقال علي: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) [2] ، وقد ذكر الواقدي هذه الحادثة ولم يشر إلى تكليف محمد بن أبي بكر تحديدًا بنقل عائشة إلى المدينة وإنما إكتفى بذكر إسم من تم تكليفه بالمهمة وهو (محمد) دون تحديد انه إبن أبي بكر أو غيره، ونقلها عنه الطبري في تاريخه كذلك [3] ، وقد ذكر الدكتور علي الصلابي أن عليًا رضي الله عنه كلف إبنه محمد بن الحنفية بتبليغ عائشة رضي الله عنها حتى تصل إلى مأمنها معززة مكرمة [4] .
أقول: وفعل علي هذا يليق به كصحابي جليل سابق للإسلام، وهو من كانت له المنزلة العالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد زوجه إبنته فاطمة رضي الله عنها، وقد أمَّره على جيوش المسلمين أكثر من مرة، ويأتي فعل علي هذا أيضًا تنفيذًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم له في شأن السيدة عائشة رضي الله عنها، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق أبي رافع رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أنا؟
(1) . أنظر تاريخ إبن خلدون (2/ 620) .
(2) . الكامل في التاريخ (2/ 614) ، وتاريخ الطبري (4/ 544) .
(3) . أنظر الفتنة ووقعة الجمل للواقدي (1/ 183) و تاريخ الطبري (4/ 544) .
(4) .علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 597) .