عامر وسعيد ابن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته وأمرته أن ينحيهم إستغشني حتى جاء ما ترى، قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر، فسارَّ عليًا، فأخذ علي بيدي، ونهض علي وهو يقول: وأي خير توبته هذه! فو الله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة، أن عثمان قد قتل، فلم نزل والله في شر إلى يومنا هذا) [1] .
أقول: هذه الرواية لا تثبت بحال، وهي مردودة من أكثر من وجه، فهي مردودة من ناحية السند ففيها الواقدي (محمد بن عمر) وقد سبقت ترجمته وأنه لا يؤخذ منه في مثل هذا الجانب، بالإضافة إلى أن السند فيه محمدًا وهو مجهول [2] ، وهي مردودة من ناحية المتن ففيها إتهام الصحابة الكرام أنهم قد تخلوا عن عثمان وأوردوه المهالك وتآمروا عليه وخذلوه، وذلك في قوله كما ورد في الرواية السابقة على لسان علي بن أبي طالب (ولكن مروان ومعاويه وعبد الله بن عامر وسعيد ابن العاص هم صنعوا به ما ترى) وهل يتهم علي مثل هؤلاء الصحابة الكرام في عثمان، ألا إن هذه الرواية يشتم من بين ركام كلماتها السم الذي يحرص الرافضة على بثه في شأن الصحابة الكرام عليهم رضوان الله.
وبذلك نعلم أن هذه الرواية ليس فيها ما يثبت إعلان محمد بن أبي بكر لتوبته مما صنع بعثمان رضي الله عنه، وقد علم من محمد بن أبي بكر الإستحياء من عثمان بعد أن وعظه ونصحه، بعد أن دخل عليه داره قبل مقتله، فكانت تلك إشارة واضحة جلية على ندمه وتراجعه والله أعلم.
أورد الذهبي صاحب كتاب تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام رواية فيها نفي محمد بن أبي بكر التهمة التي وجهت إليه بقتل عثمان رضي الله عنه، وهذه الرواية طويلة أورد منها ما نحتاج إليه منها (قال محمد بن عيسى بن سميع عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ قال: قتل مظلومًا، ومن خذله كان معذورًا، ومن قتله كان ظالمًا .... وخرجت عائشة باكيةً تقول: قتل عثمان، وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال: من قتله؟ قالت: لا أدري، وأخبرته بما صنع محمد بن أبي بكر، فسأله علي، فقال: تكذب، قد والله دخلت عليه، وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمت وأنا تائب إلى الله، والله ما قتلته ولا أمسكته، فقالت: صدق، ولكنه أدخل اللذين قتلاه) [3] .
(1) . تاريخ الطبري (4/ 378) .
(2) . فتنة مقتل عثمان للغبان (2/ 711) .
(3) . تاريخ الإسلام للذهبي (3/ 460) .