بن أبي بكر ولولا هذه الثقة لما ولاه مصر ولما جعله من مساعديه المقربين بعد توليه الخلافة، وهذه الثقة لا يمكن أن تثبت عند علي رضي الله عنه لمحمد بن أبي بكر الصديق لولا علمه أنه بريء من قتل عثمان رضي الله عنه، وقد أشار الدكتور يحيى اليحيى إلى دليل آخر يستأنس به على براءة محمد بن أبي بكر من دم عثمان رضي الله عنه وهو أن عائشة رضي الله عنها خرجت إلى البصرة للمطالبة بقتلة عثمان، ولو كان أخوها منهم ما حزنت عليه لما قتل فيما بعد في مصر [1] .
أقول: ويؤيد ذلك ما ذكره الدكتور محمد بن عبد الله الغبان في كتابه فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه عند دراسته للأحاديث التي وردت في صفة قاتل عثمان بن عفان رضي الله عنه،
فقال: وفي الروايات الصحيحة أنه رجل أسود من أهل مصر ولكنها تختلف في تعيينه
وقد خلص الدكتور إلى نتيجة مفادها أن قاتل عثمان بن عفان رضي الله عنه رجل مصري لم تفصح الروايات عن إسمه، وبينت أنه سدوسي الأصل أسود البشرة، لقب بـ (جبلة) لسواد بشرته، ولقب أيضًا بـ (الموت الأسود) [2] ، وهذا دليل آخر على أن محمد بن أبي بكر لم يكن هو قاتل عثمان رضي الله عنه.
محاجزة [3] محمد بن أبي بكر عن عثمان رضي الله عنه قبل مقتله
يراد بالمحاجزة هنا محاولة الدفاع عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ومنع القتلة من الوصول إليه بالفصل بينهم وبينه، وقد ورد خبر محاجزة محمد بن أبي بكر الصديق عن عثمان رضي الله عنه قبل قتله عند الإمام إبن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، حيث قال: (ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه، والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها، فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا) [4] ، وكلام إبن كثير رحمه الله هنا يأتي في سياق الرد على على الإتهام لمحمد بن أبي بكر بأنه ضرب عثمان رضي الله عنه بمشاقص في أذنه، وقد ثبت بالروايات الصحيحة أنه لم يفعل ذلك كما تبين سابقًا.
(1) . عثمان بن عفان للصلابي (1/ 401) .
(2) . فتنة مقتل عثمان بن عفان للغبان (1/ 207) .
(3) . (حجز) بَينهمَا حجزًا أي فصل وَالشَّيْء حازه وَمنعه من غَيره، (حاجزه) طَالبه بالامتناع عَن الْمُخَاصمَة وَمِنْه الْمثل (إِن أردْت المحاجزة فَقبل المناجزة) ، أنظر المعجم الوسيط (1/ 157) .
(4) . البداية والنهاية لإبن كثير (7/ 185) .