الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير المرسلين، وعلى آله الأطهار الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.
لقد شكلت حياة محمد بن أبي بكر الصديق على قصرها حالة فريدة في المجتمع الإسلامي قلَّ حدوثها، فمحمد بن أبي بكر الصديق من خير بيوت مكة وأتقاها وأنقاها، وأسبقها إلى الإسلام، وهو إبن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، خير هذه الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، وهو إبن الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وهي من السابقات إلى الإسلام، وصاحبة هجرتين، وقد نشأ محمد في هذا المنبت العظيم، ومن ثم إنتقل إلى حجر علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع أمه أسماء بعد زواجها من علي بعد وفاة والده الصديق، وربي محمد جنبًا إلى جنب مع أبناء علي، سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، ومع ذلك فقد كان محمد بن أبي بكر من الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وألبوا عليه الناس! وقد وجهت إلى محمد بن أبي بكر الكثير من الإتهامات بسبب مواقفه من عثمان رضي الله عنه، فقد وجهت إليه أصابع الإتهام بقتله تارة، وبالتحريض على قتله تارة أخرى، وبأنه كان سببًا من أسباب قتله بعد أن حرض عليه، ثم إنتقل بعد ذلك إلى جانب علي يقاتل في صفه في الجمل وفي صفين، وقد ولَّاه علي مصرَ وبقي واليًا عليها حتى قتل عام 38 للهجرة، وهذه الأحداث مجتمعة أشكل على البعض فهمها فهمًا صحيحًا، فكيف يولي علي رجلًا أتهم في قتل عثمان بعد خروجه عليه؟ وهل كان محمد بن أبي بكر ضالعًا في قتل عثمان أم لا؟ وما هي دوافع خروجه على عثمان، إلى غير ذلك من الإشكاليات التي وردت في الروايات التاريخية والتي تتعلق بحياة محمد بن أبي بكر الصديق ودوره في الفتنة زمن عثمان، ولذلك فقد إستعنت بالله عز وجل وعزمت على الكتابة حول هذا الرجل في كافة جوانب حياته، خاصة أنني لم أجد بحثًا مستقلًا عن حياة هذا الرجل ودوره في الفتنة التي وقعت زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما، فقد كان ما كتب عنه عبارة عن شذرات في بعض الكتب هنا وهناك، وحتى أقدم بين يدي القارئ بحثًا وافيًا يستطيع من خلاله أن يطلع على كافة الجوانب في حياة محمد بن أبي بكر، وأن يميز بين الصحيح