إن صحت الرواية عن محمد بن أبي بكر أنه إعترض على تولية عثمان لعبد الله بن سعد بن أبي السرح على مصر، فما هي دوافع هذا الإعتراض؟ أكانت الدوافع لمصلحة شخصية؟ أم كانت نظرة للمصلحة العامة؟ وهل كان لمحمد بن أبي بكر في هذا القول سلف، أم أن ذلك كان بدعة إبتدعها مع صاحبه محمد بن أبي حذيفة للطعن على عثمان رضي الله عنه؟ أم هي بدعة السبئية التي لبس بها على كثير من الجهلة وضعاف العلم وضعاف الإيمان؟
قد يقول قائل إن الحرص على عدم تولية المرتدين التائبين أي مركز من مراكز الدولة الإسلامية أو قيادة جيش من جيوشها، أو حتى في بعض الأحيان منع الإستعانة بهم في شؤون الحرب ليس بالأمر الجديد، فقد ورد عن الصديق رضي الله عنه أنه منع المرتدين في خلافته من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام، ويحتمل أن يكون ذلك من باب الإحتياط لأمر الأمة، لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لا يؤمن أن يكون رجوعه من باب الإستسلام لقوة المسلمين، فأبو بكر - رضي الله عنه - من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم، ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم، فهو لذلك يأخذ بمبدأ الإحتياط لما فيه صالح الأمة وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد، وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العود إلى الإلتزام بالدين، ثم إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جر على الأمة أحيانًا ويلات كثيرة، وأوصلها إلى مآزق خطيرة، إلا أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لا يعني اتهامهم في دينهم ولا نزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء من التائبين من المرتدين [1] .
وعلى هذا يمكن أن نقول أن موقف محمد بن أبي بكر تجاه ولاية عبد الله بن سعد بن أبي السرح على مصر زمن عثمان يحتمل أن تكون دوافعه الحرص على الأمة كما كان موقف والده الصديق رضي الله عنه من تولية من تاب من المرتدين شؤون الدولة، أي أن رأيه كان إمتدادًا لرأي والده الصديق رضي الله عنه في هذا الشأن وهذا هو الإحتمال الأول، وعلى هذا فإن محمد بن أبي بكر قد يكون قد إقتنع بالإنتقادات التي وجهها السبئية ضد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ومنها تولية عبد الله بن سعد بن أبي السرح على مصر واليًا مع كونه مرتدًا تائبًا، وذلك مع وجود الكثيرين من الصحابة ممن هم أولى منه وأكثر كفاءة لحمل هذه الراية، وعلى هذا فقد يكون قد لبس عليه الأمر وأقتنع بما خطط له أصحاب الفتنة ومدبروها، دون قصد منه في إحداث الفتنة، وقد يكون الإحتمال الثاني وهو أن ذلك صادف هوىً في نفسه ومصالح شخصية أراد أن يحققها من خلال إثارة هذا الأمر ضد عثمان.
(1) . أبو بكر الصديق للصلابي ص (245) .