أقول: وقد جمع البعض بين هذه الأقوال وأزال التعارض بينها بقولهم إن عليًا ولَّى محمد بن أبي بكر مصر أولًا بعد ولاية قيس بن عبادة، وأثناء ولاية محمد على مصر إختل أمرها فولى علي بدلًا منه الأشتر النخعي ولكنه قتل مسمومًا قبل دخولها فأعاد عليها محمد بن أبي بكر، وقد أشار إلى ذلك يوسف بن تغري في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة حيث قال:
(قال علماء السيرة كابن إسحاق وهشام والواقدي: لما اختل أمر مصر على محمد بن أبي بكر الصديق وبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلناه عنها- يعني قيس بن سعد بن عبادة- أو مالك ابن الحارث- يعني الأشتر هذا، قلت: وهذا مما يدل على أن ولاية محمد بن أبي بكر الصديق كانت هي السابقة، اللهم إلا إن كان لما إختل أمر مصر على محمد عزله علي رضي الله عنه بالأشتر، ثم إستمر محمد ثانيًا بعد موت الأشتر على عمله حتى وقع من أمره ما سنذكره، وهذا هو أقرب للجمع بين الأقوال لأن الأشتر النخعي توفي قبل دخوله إلى مصر والله أعلم) [1] ، وهم بذلك يرون تقديم ولاية محمد بن أبي بكر على الأشتر النخعي على مصر من قبل علي رضي الله عنه، والله تعالى أعلى وأعلم.
ذكر شمس الدين الذهبي صاحب كتاب تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام أن محمد بن أبي بكر دخل مصر واليًا في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رمضان سنة سبع وثلاثين للهجرة [2] ، وذكر أبو عمر الكندي صاحب كتاب ولاة مصر أنه دخلها تحديدًا للنصف الثاني من رمضان سنة سبع وثلاثين للهجرة [3] .
مشورة عبد الله بن جعفر لعلي في تعيين محمد بن أبي بكر واليًا على مصر
ذكر الطبري في تاريخه المراسلات التي جرت بين قيس بن سعد بن عبادة والي علي على مصر وبين معاوية بن أبي سفيان، والتي حاول من خلالها معاوية إستمالة قيس بن سعد إلى طرفه ضد علي، وبعد فشل معاوية في خطته، حاول البعض على ما يبدو الإيقاع بين علي بن أبي طالب وبين سعد، وقد بعثوا إلى علي خبر تلك المراسلات بين سعد ومعاوية مع زيادات تدعي مهادنة سعد لمعاوية وتخليه عن علي، ومع أن علي كان يثق بسعد ثقة كبيرة إلا أنه
(1) . النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ليوسف بن تغري (1/ 103) .
(2) . تاريخ الإسلام للذهبي (3/ 601) .
(3) . ولاة مصر للكندي (1/ 23) .