ولد عام حجة الوداع بذي الحليفة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمه أسماء بنت عميس أن تغتسل للإحرام وهي نفساء، وصار ذلك سنة، ولم يدرك من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا خمس ليال من ذي القعدة، وذا الحجة والمحرم، وصفرا، وأوائل شهر ربيع الأول، ولا يبلغ ذلك أربعة أشهر، ومات أبوه أبو بكر - رضي الله عنه - وعمره أقل من ثلاث سنوات ولم يكن له صحبة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قرب منزلة من أبيه، إلا كما يكون لمثله من الأطفال، وتزوج علي بعد أبي بكر بأمه أسماء بنت عميس، فكان ربيب علي، وكان اختصاصه بعلي لهذا السبب ... والرافضة تغلو في تعظيمه على عادتهم الفاسدة في أنهم يمدحون رجال الفتنة الذين قاموا على عثمان، ويبالغون في مدح من قاتل مع علي، حتى يفضلون محمد بن أبي بكر على أبيه أبي بكر، فيلعنون أفضل الأمة بعد نبيها، ويمدحون ابنه الذي ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة، ويتناقضون في ذلك .... وإن أراد عظم شأنه (أي محمد بن أبي بكر) لسابقته وهجرته ونصرته وجهاده، فهو ليس من الصحابة، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وإن أراد بعظم شأنه أنه كان من أعلم الناس وأدينهم، فليس الأمر كذلك، وليس هو معدودًا من أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته، وإن أراد بذلك شرفه في المنزلة لكونه كان له جاه ومنزلة ورياسة، فمعاوية كان أعظم جاهًا ورياسةً ومنزلةً منه، بل معاوية خير منه وأعلم وأدين وأحلم وأكرم، فإن معاوية رضي الله عنه روى الحديث وتكلم في الفقه، وقد روى أهل الحديث حديثه في الصحاح والمساند وغيرها، وذكر بعض العلماء بعض فتاويه وأقضيته، وأما محمد بن أبي بكر فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه) [1] ، فقد بين رحمه الله مجموعة من الأمور بحق محمد بن أبي بكر ومنها أنه لم تكن له فضيلة ولا سابقة ولا هجرة ولا صحبة، وأن أقرانه خير منه، ولم يكن من ذوي العلم والبداهة، ولا يعد من المهاجرين والأنصار، فهو كعامة الناس لا يتميز عنهم بشيء، ولم يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بين أيدينا رواية ذكرها الطبري قي تاريخه عن الواقدي يذكر فيها أن محمد بن أبي بكر رجع قافلًا إلى المدينة من مصر بينما بقي محمد بن أبي حذيفة في مصر، وذلك بعدما كانا يحرضان الناس هناك على عثمان رضي الله عنه وهذا نص الرواية عند الطبري (قال محمد بن عمر: وحدثنى عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: كان محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرضان على عثمان، فقدم محمد بن أبي بكر وأقام محمد بن أبي حذيفة بمصر
(1) . منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، إبن تيمية (4/ 374) وما بعدها.