فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 107

محمد بسبب منزلة والده الصديق رضي الله عنه في الإسلام، وحبه أن يكون له مكانة بين الناس، وقد ساعد على ذلك تغرير البعض به، وقد ورد ما يبين ذلك في الرواية التي أوردها الإمام الطبري في تاريخه، ( ... عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، قال: سألت سالم بن عبد الله فيما قيل عن سبب خروج محمد، قال: الغضب والطمع، وكان من الإسلام بمكان، وغره أقوام فطمع، وكانت له دالة، ولزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره) [1] ، والحقيقة أن الكلام السابق لا يسلم من المعارضة بعدة أمور أذكرها ضمن النقاط الآتية:

أولًا: الحديث أن محمد بن أبي بكر أتى حدًا وأن عثمان ضربه به مبهم وغير واضح، فلم يرد في كتب الرجال والتراجم ولا حتى التاريخ ما يبين تفصيل جرمه التي أتى به حتى يستحق إقامة الحد عليه، ولو حدث منه ذلك لأشتهر عنه كما وقع لغيره.

ثانيًا: نلحظ أن شيخ الإسلام رحمه الله أورد الخبر بصيغة (يقال) وهي صيغة من صيغ التمريض، فكأنه يشير إلى إحتمال وقوعه وليس الجزم بذلك وهذا لا يفيد صحة الخبر.

ثالثًا: إن هذه الرواية التي أوردها الطبري وغيره ضعيفة، بل هي ضعيفة جدًا، فيكفيك أن تعلم أن في سندها مبشر بن فضيل والذي ذكره العقيلي في الضعفاء وقال عنه: كوفي مجهول بالنقل لا يصح إسناده [2] ، وفيه أيضًا سيف بن عمر قال عنه أبو داوود ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: أتهم بالزندقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر [3] ، وفي التاريخ يروي سيف بن عمر هذا عن مجاهيل ومنهم في هذا السند مبشر بن فضيل فلا يصح إسناده.

وعلى هذا فإنني أميل إلى أن محمد بن أبي بكر لم يكن له هوىً في الخروج على عثمان، ولم يكن مبعث ذلك عنده المصلحة الشخصية ولا كرهه لعثمان، وقد تكون ألبست الأمور عليه كما ألبست على كثير غيره في ذلك الوقت، وذلك لسبب أو لآخر، فقد يكون لضعف في علمه، أو قلة في حيلته وذكائه، أو تغرير البعض به، وهذا لا يعد عذرًا لمحمد بن أبي بكر فيما ذهب إليه من مذهب تجاه عثمان رضي الله عنه، ولكن على أقل تقدير يلتمس له العذر بأن دوافعه لم تكن ذاتية ولم تحركه الأنانية للخروج على عثمان رضي الله عنه، وقد ذكر شيخ الإسلام إبن تيمية بعضًا من المآخذ على محمد بن أبي بكر قد تكون كما أرى سببًا في إنزلاق محمد هذا المزلق العجيب تجاه عثمان رضي الله عنه، قال شيخ الإسلام: (أما هؤلاء الرافضة فخصوا محمد بن أبي بكر بالمعارضة، وليس هو قريبًا من عبد الله بن عمر في عمله ودينه، بل ولا هو مثل أخيه عبد الرحمن، بل عبد الرحمن له صحبة وفضيلة، ومحمد بن أبي بكر إنما

(1) . تاريخ الطبري (4/ 400) ، والكامل في التاريخ لإبن الأثير (2/ 574) .

(2) . لسان الميزان لإبن حجر (6/ 457) .

(3) . انظر ميزان الإعتدال للذهبي (2/ 255) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت