فقلت له: هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ قال: معاذ الله! دخل عليه، فقال له عثمان: يا بن أخي، لست بصاحبي. وكلمه بكلام، فخرج ولم يند بشيء من دمه، قال: فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: قتله رجل من أهل مصر، يقال له جبلة بن الأيهم. ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول: أنا قاتل نعثل) [1]
وما أورده إبن خياط في تاريخه حيث قال: (حدثنا المعتمر عن أبيه عن الحسن أن إبن أبي بكر أخذ بلحيته فقال عثمان لقد أخذت مني مأخذًا أو قعدت مني مقعدًا ما كان أبوك ليقعده فخرج وتركه) [2] ، وهذا الحديث إسناده حسن لغيره، فهو صحيح إلى الحسن مرسل منه، رجاله رجال الشيخين، ويشهد له حديث كنانة مولى صفية السابق، والإسناد صحيح إلى كنانة، وبذلك تبين أن للرواية لها مخرجين، أحدهما الحسن، والآخر كنانة، فيرتقي إلى درجة الحسن لغيره [3] ، وهذه الروايات تدل على براءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان رضي الله عنه، كما تبين أن سبب تهمته هو دخوله عليه قبل القتل، ومن ثم خرج بعد أن وعظه عثمان كما تبين،
كما يدعم القول ببراءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان جملة من الأمور الأخرى، فقد ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قد ولّىَ محمد بن أبي بكر الصديق ولاية مصر بعد مقتل عثمان رضي الله عنه [4] ، وفي نفس الوقت ثبت عن علي رضي الله عنه أنه لعن قتلة عثمان بالجملة، حيث قال لطلحة بن عبيد الله في حوار بينهما «يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين» [5] ، يا طلحة، تطلب بدم عثمان رضي الله عنه! فلعن الله قتلة عثمان) [6] ، ومع لعنه رضي الله عنه إياهم ومن ألَّب على عثمان معهم، فكيف يعقل أن يقوم بتولية محمد بن أبي بكر على مصر إن كان من قتلة عثمان أو من الذين ألبوا عليه لهوىً في نفوسهم، أو مم الذين حرضوا على قتله رضي الله عنه، بالإضافة إلى أن علي رضي الله عنه كلف محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب لإستنهاض أهل الكوفة قبل معركة الجمل [7] ، وكل هذا فيه دلالة واضحة من أن علي رضي الله عنه كان يثق بمحمد
(1) . أنظر هذه الرواية وغيرها ما يدل على عدم مشاركة محمد بن أبي بكر في قتل عثمان رضي الله عنه في كل من الإستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي (3/ 1046) ، تاريخ دمشق لإبن عساكر (39/ 407) ، تهذيب الكمال للمزي (19/ 456) ، ومعرفة الصحابة لإبن نعيم (1/ 66) .
(2) . تاريخ إبن خياط (1/ 174) .
(3) . قاله الشيخ محمد الصبحي، أنظر فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه (1/ 483) .
(4) . تاريخ الطبري (4/ 556) .
(5) . النور (25) .
(6) . تاريخ الطبري (4/ 502) .
(7) . المرجع السابق (4/ 478) .