فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 107

ولكن تعال نمكر به عند علي , قال: فبعثا بكتابه الأول إلى علي، فقال له أهل الكوفة: عدو الله قيس بن سعد فاعزله , فقال علي: «ويحكم أنا والله أعلم هي إحدى فعلاته» , فأبوا إلا عزله فعزله , وبعث محمد بن أبي بكر , فلما قدم على قيس بن سعد قال له قيس: أنظر ما آمرك به , إذا كتب إليك معاوية بكذا وكذا فاكتب إليه بكذا وكذا , وإذا صنع بكذا فاصنع كذا , وإياك أن تخالف ما أمرتك به , والله لكأني أنظر إليك إن فعلت قد قتلت ثم أدخلت جوف حمار فأحرقت بالنار , قال: ففعل ذلك به) [1]

أقول: وهذه النصيحة تدل على إخلاص قيس بن سعد ورجاحة عقله وعلمه وحسن تدبيره، وحرصه على عدم سفك الدماء بين المسلمين، والميل إلى الصلح بين المتخاصمين، وتدل أيضًا على مدى إلتزامه بأوامر الخليفة وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، وأنبه هنا إلى أن البعض قد يفهم من قول قيس بن سعد لمحمد بن أبي بكر (إنك جئت من عند إمرئ لا رأي له) أن في ذلك إنتقاص من قبل قيس بن سعد في حق علي رضي الله عنه، وقد فهم البعض من هذا القول إتهام قيس بن سعد لعلي أنه ضعيف الرأي، وذلك لأنهم إجتزؤوا النص ولم يفهموه في سياقه المتصل، وإنما أراد قيس بن سعد من كلمته هذه أن يبين لمحمد بن أبي بكر أن عزله من قبل علي لم يكن دافعه الرغبة المحضة من علي في عزله، وإنما جاء لضغط المشيرين على علي بعزل قيس بعدما شك البعض في ولائه لعلي بعدما ظنوا أنه قد حدث تقارب بين قيس بن سعد ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما نتيجة لعدم مقاتلة قيس من لم يبايعوا علي مطالبين بالثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه قبل البيعة لعلي بن أبي طالب، ويدل على ذلك الخبر الذي أورده الطبري بعدما جاءه خبر مقتل محمد بن أبي بكر في مصر حيث قال: (فلما جاء خبر قتل مُحَمَّد عرف علي أن قيسًا كان يداري أمورًا كثيرة، وأن من أشار إليه بعزل قيس لم ينصحه) [2] .

مخالفة محمد بن أبي بكر لقيس في نصيحته

تظهر الروايات المتعددة أن محمد بن أبي بكر إستغش من قيس بن سعد في نصيحته، ولم يعمل بها، بل عمد إلى العمل بخلاف ما نصحه به، وما كان ذلك من محمد بن أبي بكر إلا لظنه الخاطئ بقيس بن سعد، وهذا ما أشرت إليه سابقًا من أنهم قد شكوا في علاقته بمعاوية رضي الله عنه، وأنه تمالأ معه ضد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبذلك سقط محمد بن أبي بكر في المحظور وأثار الكثيرين من أهل مصر ضده، وقد كان الخطأ الأكبر الذي إرتكبه

(1) . مصتف بن أبي شسية (6/ 207) .

(2) . تاريخ الطبري (5/ 149) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت