ضرورة ضم مصر إلى الشام، وذلك لأن مصر فيها الكثير من الموارد وفيها الخراج الكثير، والذي إن تحصَّل عليه معاوية زادت قوته وقويت شكيمته، ولذلك رأى معاوية أن يجمع قادته وعلى رأسهم الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه ليشاورهم في أمر مصر، وراسل معاوية كذلك قادة المعارضين لعلي ولعامله محمد بن أبي بكر في مصر، والذين سبق لعلي أن قاتلهم وحاول إجبارهم على بيعة علي، وعلى رأسهم مسلمة بن مخلد الأنصاري [1] ومعاوية بن حديج الكندي [2] ، وأستقر الرأي عند الجميع على ضرورة ضم مصر وتخليصها من يد محمد بن أبي بكر [3] .
وقد ذكر البعض أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أغفل قضية مصر في قضية التحكيم ولم يشترط على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن لا يقاتل أهل مصر بأهل الشام، وقد ذكر ذلك الكندي في كتابه ولاة مصر حيث قال: (حدثنا حسن المديني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن عبد الكريم بن الحارث، قال:"ولما أجمع علي، ومعاوية على الحكمين، أغفل علي أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر، فلما أنصرف علي إلى العراق بعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش إلى أهل الشام وإلى مصر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا) [4] ، وهذه الرواية لا تصح ففيها حسن المديني وهو مجهول الحال."
أقول: يتوهم البعض أن قرار ضم مصر من قبل معاوية رضي الله عنه يهدف إلى إنتزاع الخلافة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا خطأ بيِّن لا يخفى على كل صاحب لب، وقد حاول الرافضي أبو مخنف أن يوهم ضعاف العقول بأن الخلاف من طرف معاوية تجاه علي كان خلافًا على أحقيته في الخلافة، وساق في سبيل ذلك الروايات الواهية في محاولة منه لتشويه الصورة النقية للتاريخ الإسلامي العظيم، وقد نقل الطبري رواية أبي مخنف التي يوحي من خلالها أن النزاع كان نزاعًا على الخلافة، وأن معاوية بويع بالخلافة في الشام بعد
(1) . هو مسلمة بن مخلد بن الصامت بن نيار، الأنصاري الساعدي، وقيل الزرقي. يكنى أبا معن، وقيل أبا مسعود، وقيل أبا معاوية. وقيل أبا معمر، ولد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين، له صحبة، كان أميرًا ليزيد بن معاوية على مصر وتوفي بها أنظر الإصابة (6/ 92) و الإستيعاب
(2) . هو معاوية بن حديج بن جفنة السكوني، وقيل: الخولاني. وقيل: هو من تجيب، يكنى بأبي عبد الرحمن، وقيل: أبو نعيم. يعد في أهل مصر، وحديثه عندهم. قيل: هو الذي قتل محمد بن أبي بكر بأمر عمرو بن العاص، له: صحبة، ورواية قليلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أيضا عن: عمر، وأبي ذر، ومعاوية، أنظر أسد الغابة (4/ 430) ، وسير أعلام النبلاء (3/ 37) .
(3) . تاريخ الطبري (5/ 99) ، بتصرف.
(4) . ولاة مصر (1/ 24) .