فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 107

ونلحظ هنا أن هذه الرسائل التي ذكرها الطبري هي من مرويات أبي مخنف، وهو من الرافضة الذين لا يرقبون في الصحابة إلًا ولا ذمة، فإسنادها لا يصح، والملاحظ أن هذه الرسائل تحمل في طياتها حقًا وباطلًا، وهو ما عهد عن الرافضة في الكثير من مروياتهم عن الصحابة، وذلك زيادة منهم في إتاهة القارئ، وإمعانًا منهم في إضلال الناس، وتشويه التاريخ الإسلامي، وهذه الرسائل من جملة ما عمدوا إليه في نشر أفكارهم المسمومة تجاه الصحابة الكرام، خاصة ممن يزيد الحنق عليهم عند الرافضة من أمثال معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، ففي الرسالة الأولى من عمرو بن العاص إلى محمد بن أبي بكر، نجد عمرًا حريصًا على عدم سفك الدماء بين المسلمين، فهو يطلب من محمد أن يغادر مصر ويسلمها له، لئلا يصاب بمكروه، وقد نبه عمرو بن العاص محمد بن أبي بكر إلى أن الناس في مصر تخلوا عنه، وأنهم سيسلموه في حال إشتد الأمر عليهم وحمي وطيس الحرب، وفي نفس الوقت تحمل الرسالة في طياتها تهديدًا ووعيدًا لمحمد بن أبي بكر بالقتل إن لم يرحل عن مصر ولم يسلمها لعمرو بن العاص، وفي الرسالة الثانية من معاوية إلى محمد بن أبي بكر تتجلى إختلاقات الرافضة ضد الصحابة الكرام، ففيها يُحَمِّل معاوية بن أبي سفيان محمد بن أبي بكر المسؤولية الأولى عند دم عثمان رضي الله عنه، وقد عُلمت براءة محمد من ذلك، مع الإقرار بأنه كان من الذي خرجوا على عثمان ثم تراجع بعد وعظ عثمان له في لحظاته الأخيرة، ولولا علم علي بذلك لما ولاه ما ولاه من المسؤولية، فهل يعقل أن عليًا يولي محمد بن أبي بكر ولاية مصر وهي أعظم أجناده مع أنه كان من قتلة عثمان رضي الله عنه!!!، وكذلك نرى أبا مخنف في هذه الرواية يتهم معاوية بأنه لا يبالي بالتمثيل في القتلى، ولا يمنعه من ذلك في حق محمد بن أبي بكر إلا أنه قرشي!!! فهل يعقل هذا من مؤمن فضلًا أن يكون صحابيًا فقيهًا عالمًا بالسنة والكتاب، وقد دعى له رسول الله بالهداية، ففي الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن أبي عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به) [1] ، وفي الحديث الذي رواه العرباض بن سارية السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب) [2] ، وهو الذي وصفه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه فقيه، (فعن إبن عباس رضي الله عنهما أنه قيل قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب إنه فقيه) [3] ، وفي رواية (عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده

(1) . صححه الألباني، أنظر مشكاة المصابيح (3/ 1758) .

(2) . مسند أحمد (28/ 383) ، و المعجم الكبير للطبراني (18/ 251) . قال فيه الشيخ الألباني: صحيح لغيره، أنظر التعليقات الحسان على صحيح إبن حبان (10/ 275) .

(3) . صححه الألباني، أنظر مشكاة المصابيح (1/ 399) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت