منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم، فأجتاحكم في الوقعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا، فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قتلتم ومثلتم به! وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون) [1] ، والملاحظ على هذه الرسالة أن فيها تناقضًا مما ثبت عن محمد بن أبي بكر بأنه تراجع عن موقفه تجاه عثمان في اللحظات الأخيرة قبل مقتله نتيجة لموعظة عثمان له، وتذكيره إياه بوالده الصديق رضي الله عنه، وهذه الرسالة فيها أنه لم يندم على ما كان منه تجاه عثمان رضي الله عنه، وفي هذا إشارة واضحة أن هذه الرسالة من صنيع الرافضة بشكل عام ومن أبي مخنف بشكل خاص، فما جاء فيها يخدم دعم فكرتهم بضلال عثمان كغيره من الصحابة التي لم يرَشُد منهم إلا القليل، ولهذا لم يندم محمد بن أبي بكر على ما كان منه تجاه عثمان حسب زعمهم، كما ونلحظ فيها تمجيد من يقف ضد معاوية المبغوض لديهم، فهذه الرواية تصف محمد بن أبي بكر بصفات الشجاعة والإقدام وعدم الخوف من ملاقاته للموت في سبيل الله تعالى، كما تحاول على لسان محمد بن أبي بكر الإنتقاص من قدر معاوية ووصفه بالظالم والقاتل.
أما رسالته إلى عمرو بن العاص فقد جاءت مختصرة كما أوردها الطبري وفيها (أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا عمرو بن العاص، زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر، وأشهد أنك من المبطلين وتزعم أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظنين [2] ، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، وندموا على اتباعى، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياءه فحسبنا الله رب العالمين، توكلنا على الله رب العرش العظيم، والسلام) [3] ، وهذه الرسالة يبين فيها محمد بن أبي بكر لعمرو عدم ثقته به، وأن نصائحه ما هي إلا خبث ومكر وخديعة، بالإضافة إلى أنه غير مكترث بمن إدعى عمرو بن العاص أنهم خذلوه وتحولوا عن رأيه وحالفوا معاوية وأتباعه، ولا شك أن ما جاء في هذه الرسالة لا يختلف عن سابقاتها، فالواضح أنها من نسج خيال الشيعة الروافض للنيل من الصحابة، ولتصويرهم متناحرين لا هم لهم إلا مآربهم وأطماعهم الشخصية.
قول الطبري عن المكاتبات: كرهت ذكرها لما فيها مما لا يحتمل سماعها العامة [4]
(1) . تاريخ الطبري (5/ 102) .
(2) . أي أنك عندي متهم. أنظر جمهرة اللغة للأزدي (1/ 154) .
(3) . تاريخ الطبري (5/ 102) .
(4) . تاريخ الطبري (4/ 557) .