الصفحة 110 من 216

وأبت نفس"أبي بصير"العودة لقريش لما قاساه من بطشها وظلمها وصدها عن دين الله، فاحتال في أثناء الطريق وامتشق سيف أحد الحارسين وقتله، وفرَّ الآخر مذعورًا، وقفل راجعًا إلى المدينة يخبر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بما وقع لصاحبه، وقدم"أبو بصير"متوشحًا للسيف يقول:"يا رسول اللّه وفت ذمتك، وأدّى اللّه عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي".

فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"يا ويل امّه، مسعر حرب - وفي رواية: محش حرب - لو كان معه رجال"، ولم تعد المدينة مُقامًا لأبي بصير للاتفاق الموقع، ولا مكة للدم الذي أراقه، فانطلق إلى ساحل البحر، وشرع يهدّد قوافل قريش كلما راحت أو غدت، وعلم المسلمون بمكة عن مقامه، وعن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه:"مسعر حرب لو كان معه رجال"، فخرجوا يقصدونه يشدّون أزره، ويناصرونه حتّى كان في عصبة من المسلمين قريب من الستين أو السبعين منهم"أبو جندل"فكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه ولا تمر عليهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت فيهم قريش إلى رسول الله، يسألونه بأرحامهم لما آواهم فلا حاجة لهم بهم ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدموا عليه المدينة. (روايات البخاري باختصار وبالمعني) .

وعند البخاري طريقة نجاة"أبي بصير"من آسريه قال: فخرج"أبو بصير"وخرجا ... فقال أبو بصير للعامري: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال: أنظر إليه، قال: إن شئت فاستله فضرب به عنقه وفر الآخر للمدينة.

ومن طريق الواقدي عند البيهقي:"وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: خمّس يا رسول الله قال:"إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت"."

وجاءت قصة أبي بصير عرضًا في ترجمة"أبي جندل"في المستدرك قال: أسلم قديمًا بمكة فحبسه أبوه"سهيل بن عمرو"وأوثقه في الحديد ومنعه الهجرة، فلما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية، وأتاه"سهيل بن عمرو"فقاضاه على ما قاضاه عليه أقبل"أبو جندل"يرسف في قيوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبيه، لأن الصلح كان بينهم، ثم أفلت بعد ذلك فلحق بأبي بصير وهو بالعيص - مكان علي الساحل - وقد اجتمع إليه جماعة من المسلمين، وكانوا كلما مرت بهم عير لقريش اعترضوها فقتلوا من قدروا عليه منهم وأخذوا ما قدروا عليه من متاعهم، فلم يزل"أبو جندل"مع"أبي بصير"حتى مات"أبو بصير"فقدم"أبو جندل"ومن كان معه من المسلمين بالمدينة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي سنن البيهقي: "أخذ"أبو بصير"وغيره "أبا العاص"أسيرًا وبعث به إلى المدينة فأجارته"زينب" - رضي الله عنه -، قال ابن حجر في الإصابة: هذا في غاية الصحة من ناحية الإسناد، وفيه إشارة ضمنية مختصرة إلى مجمل قصة"أبي بصير"، وأنه أسر "أبا العاص"وبعث به إلى المدينة."

هذه باختصار قصة"أبي بصير"كما جاءت في الروايات الصحيحة، نستخلص منها بعض الأحكام التي تعيننا على فهم"الحرب الفردية":

أولًا: العقد المُبرم بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقريش يشمل من كان في المدينة وحدها، أو من كان ضمن حدود"دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -"، أما من كان مقيمًا في"دار الكفر"فلا يخضع لقرار"أمير المسلمين"حتى يُهاجر، على اختلاف في نصرة"غير المهاجر"ممن يخضع لدولة الكفر إما رضًا وإما غصبًا، في مبحث فقهي ليس هذا موضعه.

ثانيًا: من كان مُقيمًا في"دار الكفر"أو كان خارج حدود سلطة"الإمام الشرعي"له الحق في القيام بصنفي الحرب:

-"الحرب الدفاعية": وهي التي تمثلت في قتل"أبي بصير"لمن أوكلت له مهمة جلبه لقريش فقتله وأخذ سلبه، وحاول قتل الثاني لولا فراره.

-"الحرب الهجومية": والتي تمثلت في الإغارة على عير قريش وأخذ أموالهم، وقتل من يقع منهم في قبضته، وأسر من يستطيع أسره، مع الانحياز لفئة وتكوين جيش.

ثالثًا: فيه إقرار من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فعله"أبو بصير"بالرجلين الذين وكلا بنقله لقريش، والإقرار النبوي للفعل واضح جلي في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت"، وهذا الجزء من الحديث مرسل - وفيه الخلاف بشأن الاحتجاج بالمرسل- وقد رفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"التخميس"لدلالته على دخوله تحت إمارة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان هدية لقبله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدليل قبوله"العاص"على أنه هدية من أبي بصير لقرابته وصهره من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان الفعل خطأ لما جاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت