تأخير البيان عن وقت الحاجة -كما هو مقرر عند علماء الأصول-، فقد جاء في قصة المغيرة وقتله الثلاثة عشر رجلًا عند صاحب"الطبقات الكبرى"قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أما إسلامك فقبلته، ولا آخذ من أموالهم شيئا، ولا أخمّسه، لأن هذا غدر: والغدر لا خير فيه".
رابعًا: الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير مُلزم بما فعله"أبو بصير"من قتله للرجل، ولا يضمن، فقد جاء في المغني لابن قدامة: لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء لرده لم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يضمنه، ولما انفرد هو و"أبو جندل"وأصحابهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم وأخذوا المال، لم ينكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامة ما أتلفوه.
خامسًا: قال ابن قدامة: وله - أي للأمير- أن يأمره سرًا بالهرب منهم ومقاتلتهم فإن"أبا بصير"لما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء الكفار في طلبه ... قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ويل امه مُسعر حرب لو كان معه رجال"، فلما سمع ذلك"أبو بصير"لحق بساحل البحر وانحاز إليه"أبو جندل"ومن معه من المستضعفين بمكة.
سادسًا: توقيع عقد صلح أو موادعة أو هدنة بين"دار كفر"وبعض ولاة أو أفراد مسلمين، لا يعني دخول كل المسلمين ضمن العقد، بل هو خاص فيمن شمله العقد فقط ممن يتبع لذاك الصف من المسلمين، وهذا واضح في قصة"أبي بصير"و"أبي جندل"ومن معهما فلم يشملهم العقد، لأنهم خارجه.
سابعًا: لم يكن"أبو بصير"يتبع الدولة الإسلامية -حسب الحدود المُتعارف عليها- فهو في حرية من الالتزام ببنود المهادنة أو الصلح، و"هو"و"هم"- أي الدولة ورعاياها- في حِلِّ من ضمان الفعل، فان أصاب كان خيرًا وإن أخطأ فالدولة الإسلامية غير مُلزمة بنتائج الفعل.
ثامنًا: أبو بصير ومن معه غير مُلزمين بإعلان حالة الحرب والإيذان بالقتال مع قريش، فقد فرَّا من أسر وأغلال وعذاب وفتنة في الدين، أي أن قريشًا هي التي بدأتهم بالحرب، وهذا ما ثبت بمفهوم المخالفة فلم يثبت من طريق صحيح أو ضعيف أن"أبا بصير"قد أرسل رسولًا لقريش يُعلمها بإعلانه الحرب عليهم، ولم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنكار هذا الفعل، فدل على صحة الفعل شرعًا، أما من كان يرزخ تحت التبعية الكفرية في بلادهم فيجب عليه نقض العهد - إن سبق توقيع عقد الصلح- ثم إعلان الحرب، مصداقًا لقول ربنا:"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ" [الأنفال 58] .
"الحرب المتتالية"هي التوالي والتكرار في الغزوات والسرايا، وعدم التراخي، بحيث يُترك العدو يتقوى، أو يضعف العزم عند رجال الجيش الإسلامي.
وفيها تدريب وتحفيز للمسلمين بعد ثلاثة عشر عامًا من الصبر، والعدو أقل من أن يستوعب هذا الهجوم المتكرر، فضلًا عن مواجهته ...
-السنة الأولى للهجرة:
1 -"هجومية": سرية حمزة في رمضان قصدت عير قريش عند سيف البحر، ولم يقع فيها قتال، لتدخل مجدي بن عمرو الجهني حليف الفريقين وحجزه بين الفريقين.
2 -"هجومية": سرية عبيدة بن الحارث في شوال قصدت عير قريش عند بطن رابغ، ولم يقع فيها قتال إلا رمي سعد بن أبي وقاص للسهم، فكان أول رامٍ وأول رمية، وفيها انحاز رجلان من المشركين لجيش المسلمين.
3 -"هجومية": سرية سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة قصدت عير قريش عند الخرار، ولم يقع فيها قتال.
المعالم:
-انذار قريش بالاستهداف، وأنها ضمن المقصود قتاله.