وعاد الجيش ودخل الناس في دين الله أفواجا، وحسمت الجزيرة العربية ولاءها لدولة الإسلام في المدينة، لتعلن بلسان حالها ومقالها: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكانت آخر البعوث من عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم:"سرية أسامة بن زيد"- رضي الله عنه - هجومًا أخيرًا منه - صلى الله عليه وسلم - على الروم، ليعلن أن الإسلام يحمي أفراده ويعاقب كل من يتطاول على أتباعه ويصرخ في وجه طغيان الروم: كفى، فقد جاءكم محمد - صلى الله عليه وسلم - وحزبه - رضي الله عنهم -.
وينتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرفيق الأعلى وينفذ جيش أسامة ويبقى الروم في مخيلة الخلفاء حلمًا لابد من تحقيقه، ليبدأ عهد الفتوح العالمية: هجوم على فارس، هجوم على الروم، هجوم على مصر، هجوم على سائر الأرض مشارقها ومغاربها،"وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"كما قال الصادق المصدوق.
حين تقوم المعارك يحرص كل طرف على النيل من الطرف الآخر بما يُوهن من عزمه ويفت من عضده، والفارق في الحرب بين الإسلام وما سواه أنه أصَّل القواعد التي ينطلق منها المجاهد، فالقتال من الأفعال التي تخضع للأحكام التكليفية المنضبطة بالضوابط الشرعية، وحين يتهيأ الركب للجهاد تطرأ بعض الأحوال التي تحتاج لإعادة النظر، فإذا كان العدو يستبيح كل ما يصل إليه، ويقتل كل من تطاله اليد بلا تمييز أو تفصيل بين مقاتل وامرأة وصبي، فهل يجوز للمسلم القتل أو إلحاق العقوبة بمن لم يقاتل لمجرد أنه من بني الكفار؟
من الطبيعي الضغط على الخصم في سبيل إلحاق أي أذى فيه، ويدخل في ذلك الإغارة والتبييت والحصار أو المقاطعة، ولكن هل القتال يلحق بالكفر أم بالمقدرة على القتال؟
الذي يظهر من عموم الآيات والأحاديث أن الحكم يلحق كل من يصد عن دين الله، وعلة الصد وعدم دفع الجزية مع الكفر يوجب القتل، هذا ما عليه عموم الأدلة وبه يُجمع بين ما ظاهره التعارض، فعند أبي داود بإسناد صححه الألباني عن رباح بن الربيع - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شئ فبعث رجلًا فقال:"انظر علام اجتمع هؤلاء؟"فجاء فقال: على امرأة قتيل! فقال:"ما كانت هذه لتقاتل".
وبمفهوم المخالفة: أي أنها لو كانت من المقاتلة لجاز قتلها، ولو اتخذت حكم القتال وباشرته تلحق بالمقاتلين، ومثلها في ذلك الراهب أو العسيف أو الزمن أو الشيخ الكبير، والفقهاء بين موسع للأمر كالشافعي الذي أباح قتل كل مشرك بالغ لم يدخل في دين الإسلام محاربًا كان أو غير محارب إلا الرهبان لما ورد عن أبي بكر - رضي الله عنه -، ومن الفقهاء من ضيق بالمقاتلين فقط ومنع غيرهم من إلحاقهم بالحكم، وإنما الاختلاف في علة القتل، هل هي مباشرة القتال أم الكفر، كما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
والسؤال: هل يجوز أخذ الكفار بجريرة قومهم، فإذا أخطأ بعض القوم شملت العقوبة الجميع؟
قال تعالى:"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً" [الأنفال:25] في الآية تبيين لسبب العذاب وهو الظلم والذي يقع من طرف على طرف آخر، ولكن العقوبة حين نزلت فقد تناولت جميع الأطراف بمن فيهم المظلوم لاعتبارات عنده سبحانه، ولا يظلم ربك أحدًا.
وقال جل في علاه:"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الإسراء:16] ، وفي الآية جمع للكل المسئ والمترف وغيرهما بالعقاب، لاستحقاق الجميع للعقوبة بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد.
في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا أنزل الله تعالى بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم".
وفي صحيح البخاري عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت:"أنهلك وفينا الصالحون؟، قال النبي:"نعم، إذا كثر الخبث"."