الصفحة 197 من 216

وأهله، وأذل الكفرَ وحِزبه، واستجلب به قلوبَ رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضِبُوا، غَضِبَ لغضبهم أتباعهم، وإذا رَضُوا رَضُوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحدٌ مِن قومهم، فللَّهِ ما أعظمَ موقِعَ هذا العطاء! وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله!

ومعلوم أن الأنفال لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - يقسِمُها رسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث أمره لا يتعدى الأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولمَا عَمِيَتْ أبصارُ ذى الخويصرة التميمى وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعْدِل فإنَّكَ لم تعدل. وقال مشبِهُه: إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله، ولعَمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يُسلِّط عليها نارًا من السماء تأكلها، وهو في ذلك كله أعدلُ العادلين، وأحكمُ الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثًا، ولا قدَّرَهُ سُدى، بل هو عَيْن المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه، وعِزَّته، وحكمته، ورحمته، ولقد أتمَّ نعمته على قوم ردَّهم إلى منازلهم برسوله - صلى الله عليه وسلم - يقودونه إلى ديارهم، وأرضى مَن لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم، ويُحرِّمون، ورسولُه منفِّذٌ لأمره.

فإن قيل: فلو دعت حاجةُ الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟ قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرَّفُ لمصالحهم، وقيام الدين.

فإن تعيَّن ذلك للدفع عن الإسلام، والذب عن حَوْزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعيَّن عليه، وهل تُجوِّز الشريعة غير هذا، فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقَّعَةُ مِن فوات تأليف هذا العدو أعظمُ، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين.

-قتال المشرك مع المسلمين من أجل الغنائم:

أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها ولعن من يبغضها- أن رجلًا من المشركين كان معروفا بالجرأة والنجدة أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"تؤمن بالله ورسوله"، قال: لا، قال:"ارجع فلن أستعين بمشرك"، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال له أول مرة، فقال:"تؤمن بالله ورسوله"، قال: لا، قال:"ارجع فلن أستعين بمشرك"، ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله، فقال له:"تؤمن بالله ورسوله"، قال: نعم، قال: فانطلق.

قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ"فما الذي دعاهم لأن يظلموا أنفسهم؟ هل رضاهم بالكفر حاكمًا عليهم هو الظلم؟ أم عدم إرادة الهجرة هي الدافع للرضا بحال الاستضعاف؟،"قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ؟"سؤال تقريع وتوبيخ،"قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ"قال القرطبي: اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل،"قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا"، قال القرطبي: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص،"فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [النساء97 - 100] .

وعليه فالواجب على المستضعفين الهجرة، ولكن إلي أين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت