وغيرِهم عهد، جاز لملك آخر مِن ملوك المسلمين أن يَغْزُوَهُم، ويغنَم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخُ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ وسبيهم، مستدلًا بقصة أبى بصير مع المشركين.
قال سفر الحوالي: وهذا صريح في استقلال كل دولة أو جماعة بذمتها وعهودها، والغرب نفسه يؤمن بهذه الحقيقة، وهي من القواعد المعروفة في القانون الدولي، وإلا لكان البابا في روما مسئولًا عن إرهاب الكاثوليك في إيرلندا، ولكانت ألمانيا مسئولة عن النازيين الجدد ولكانت اليابان مسئولة عن الجيش الأحمر.
"النفاق هو إظهار خلاف المُبطن"، والمنافق أشد خطرًا وأعظم ضررًا من الكافر، فهو ساوى الكافر بكفره الباطن وزاد عليه بكذبه وخداعه وتضليله وتخذيله وتثبيطه الظاهر، والحذر منه في العادة أقل من العدو الظاهر، وهنا الخطورة.
يظهر النفاق في العادة حين ينحسر سلطان الكافرين فلا يبقى عند محب الكفر مبغض الإيمان إلا أن يُسلم ظاهره ويُحارب باطنه، ولكنه لا يظهر للعيان، لذلك ظهرت حركتهم الفعلية في المدينة وتحديدًا بعد بدر، لمّا علا سلطان الإسلام وسما نجمه، فلم يجد المنافقون بدًا من إظهار الإسلام والكيد له في الخفاء، فكانت مواقفهم الكثيرة المرجفة المثبطة الماكرة الخبيثة.
"حرب المنافقين"هي مواجهة عدو خفي باللسان والجنان، عليه في الظاهر علامات الإسلام وهذا هو مانع استخدام السنان.
جاء في كتاب ربنا تحديد معالم قتال الكافرين ليتولاها الله جل في علاه، بنفسه فقال سبحانه:"هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" [المنافقون 4] ، وأما المسلمون فالمطلوب منهم:"جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ"، فهل يُستخدم معهم السيف في حربهم؟
قال ابن القيم في الزاد: جهادُ الكفار والمنافقين أربع مراتب: بالقلب، واللِّسان، والمالِ، والنفسِ، وجهادُ الكفار أخصُّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.
جهادُ المنافقِينَ، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" [التحريم 9] .
فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
وقال أيضًا: وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم, ويغلظ عليهم, وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم, ونهى أن يصلي عليهم, وأن يقوم على قبورهم, وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم، فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين"."
قال السيوطي: عن ابن عباس في قوله:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ"قال: بالسيف"وَالْمُنَافِقِينَ"قال: باللسان"وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ"قال: أذهب الرفق عنهم، وعند البيهقي عن ابن مسعود قال لما نزلت:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ"، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد بيده فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر.
وعن السدي في قوله"جَاهِدِ الْكُفَّارَ"قال: بالسيف"وَالْمُنَافِقِينَ"بالقول باللسان"وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ"قال: على الفريقين جميعًا، ثم نسخها فأنزل بعدها:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً" [التوبة 123] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن النصيرية، والذين يدّعون حب آل البيت ويحاربون الإسلام وفيهم من كان يظهر الإلحاد والكفر بالله، قال:"لا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد"