الصفحة 109 من 216

-قتل من يغلظ على الرسول - صلى الله عليه وسلم:

روى النسائي وصححه الألباني عن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجلٌ لأبي بكر الصدِّيق، فقلت: أقتله؟ فانتهرني، وقال: ليس هذا لأحدٍ بعد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

أي أن حكم من يُغلظ في القول أو يفحش فيه القتل، وهو حق خاص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفهم الصديق - رضي الله عنه -، وللرسول التجاوز والعفو لما يراه - صلى الله عليه وسلم - من تأليف القلوب أو الدعوة إلى الإسلام.

-قتل المرتد والكذاب:

أخرج أبو داود والبيهقي وصححه الأباني عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم وابن أبي سرح ... فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى أن يبايعه، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، قال: لا إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين.

قال الدارقطني عن عبد الله بن أبي سرح: ارتد، فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمه، ثم عاد مسلمًا، واستوهبه عثمان - رضي الله عنه -.

فهذا حكم المرتد وكان جرمه أن كان يقول: انما كنت أكتب لرسول الله من عند نفسي، والمقصود جواز قتل المرتد بل الندب إليه، ولو قتله أحد الصحابة لما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الفعل ولأقره عليه.

فقد ينشأ اللغط والتخبط بين الفقهاء من جهة وبين رجال العمل الإسلامي من جهة أخرى، حول جواز إعلان الرجل المسلم بمفرده الحرب على من أعلن الحرب على ديار الإسلام، سواء قصّر الإمام في القيام بواجب الجهاد، أو كان من المتخاذلين المُخذّلين، أو كان الفرد ممن لا تشمله البيعة، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه مُسمى:"الحرب الفردية".

ولولا شُهرة وصحة الحديث في المسألة وتقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم - للموقف، لما كان له اعتبار إلا براية وإمام، في"الحرب الهجومية"على أقل تقدير.

في الحديبية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطة يُعظمون فيها حُرمات الله إلا أعطيتهم إياها"وجاءت الهدنة يحملها بالنيابة عن قريش"سهيل بن عمرو"وكان من شرطها أن يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يأتيه من مكة مهاجرًا ... وما إن قاربت الهدنة على التوقيع النهائي حتى اصطدمت بعقبة مجئ"أبي جندل"ابن"سهيل بن عمرو"مسلمًا، فطلب"سهيل"من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ردّه فردّه ... الأمر الذي خلق أزمة بين رجال الصف الإسلامي وظهر جليًا في موقف عمر ومراجعته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ولكنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - التزم العهد والاتفاق الشفهي وطلب من"أبي جندل"أن يصبر ويحتسب، قائلًا:"يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه وإنّا لا نغدر بهم".

ثم تعرضت الهدنة مرة أخرى لاختبار قاسٍ من جانب"أبي بصير"، الذي كان قد قتل الرجلين اللذين أوكلا بمهمة اصطحابه إلى مكة خارج المدينة دون إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان قد حُبس بمكة مع آخرين، وخرج إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، ولكنَّ بنود هدنة الحديبية حالت دون إمكان استقباله فيها، حيثُ أرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها يرجعان به إليها، وأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الالتزام بالهدنة وحاول إعادته، قائلًا له:"يا أبا بصير، إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، وإنَّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلق إلى قومك"، فقال"أبو بصير"بكل الحزن والأسى:"يا رسول اللّه، أتردّني إلى المشركين ليفتنوني في ديني ويعبثون بي"؟ ولم يزد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن قوله السابق، ثُمَّ أرسل أبا بصير مع القرشيين ليعودوا جميعًا إلى مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت