بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم"، ثم قال:"اللهم ارمهم بالدبيلة"، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال:"هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك"."
وهذا من أعظم ما تسول لهم شياطينهم فعله أن يقدموا على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلي الرغم من ذلك فما زال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند صفحه الجميل وعفوه الكريم، حفاظًا على تماسك الصف المسلم ورغبة في تأليف قلوب العرب، وإسكاتًا لكل الألسنة الخبيثة، ووأدًا للفتنة بين العرب، فلا يقال: محمد يقتل أصحابه، صلى الله على نبينا محمد.
-ما بعد المعركة:
ومع كل ما فعلته شياطين الإنس، ما اكتفوا بما كشف الله من عوراتهم ليواجهوا الإسلام ويحاربوه بأقدس بقعة يُعبد فيها الله، بنوا مسجدًا يحاربون فيه المسجد، وأرادوا أن يأتوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلي فيه، ليفتح لهم باب محادة الله ورسوله - خابوا وخسروا- فجاء البيان الرباني يكشف آخر ورقة تستر عوراتهم، لتبين زيفهم وتوضح مكرهم، ويهدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد الضرار، قال تعالى:"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" [التوبة:107] .
"حرب النصرة"هي إعانة مسلم على عدو له ظاهره بالحرب، سواء أقصد دينه أو ماله أو عرضه أو نسله.
و"حرب النصرة"واجبة على المسلمين لإخوانهم المسلمين، فبها تُرد المظالم ويُصد العدوان، لها صورتان وعليهما الاختلافات الفقهية وليس مدار حديثنا في الفقه واختلاف العلماء فلها حديث آخر ان يسر الله، ولكن ظاهر الأحاديث والسيرة مع عموم"النصرة"بلا نظر في الفروع ولكن للفقهاء في تجريدها نظر:
الأول: نصرة مسلمين على قوم آخرين بينهم عهد سابق، فلا يجوز النصرة إلا بعد نبذ العهد، إلا إذا كان الطرف المستنصِر يدخل ضمنًا في حلف المستنصَر، فهذا بمثابة إعلان الحرب كما حدث في قصة خزاعة والتي استنصرت بحلفها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضد بني بكر والتي أعانتها قريش عليها.
الثاني: نصرة مستضعفين في دار الكفر، وهذا محل اختلاف كبير بين الفقهاء، ولهم فيه أقوال مجملها ما نذكره إن شاء الله في الخاتمة.
-طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنصرة:
نقل ابن القيم عن الواقدي: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ ثلاثَ سِنِينَ مِن أوَّلِ نُبوته مُستخفيًا، ثم أعلنَ في الرَّابِعة، فدعا النَّاسَ إلى الإسلام عَشْرَ سِنِينَ، يُوافي المَوْسِمَ كُلَّ عام، يتَّبعُ الحاجَّ في منازلهم، وفى المواسم بعُكاظ، ومَجَنَّة، وذى المَجَاز، يدعوهم إلى أن يمنَعُوهُ حتى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ ربِّه ولهم الجنةُ، فلا يَجِدُ أحدًا ينصُره ولا يُجيبه.
وعند الإمام أحمد بسند حسنه الحافظ ابن حجر عن جابر - رضي الله عنه - قال: مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول:"من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة"فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره.
وكان من أمره - صلى الله عليه وسلم - خروجه إلى الناس والقبائل يدعوهم للإسلام، ويعرض عليهم نفسه ليؤوه وينصروه: منه ما أخرجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف كما عند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال:"لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت- وأنا مهموم -على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين- أي لفعلت، والأخشبان: هما جبلا مكة: أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان - قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا"."