الصفحة 58 من 216

إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله - عز وجل - واختار له ما عنده من الكرامة ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة، ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله.

وأما خاتمة التطهير الأرضي فهو موعود الله لعباده المؤمنين وهي بشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فقال - صلى الله عليه وسلم:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر". [أحمد عن تميم الداري بسند صحيح] .

وعن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسُئل: أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له خلق، قال: فأخرج منه كتابًا. قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكتب، إذ سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مدينة هرقل تفتح أولًا". يعني قسطنطينية [رواه أحمد والدارمي وغيرهما وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة] .

"التكتيك"هو حُسن تصريف الطاقات بما يُحقق الفوز، وفي الحرب هو توزيع القوات بالموجود من الإمكانات لضمان الانتصار.

"الحرب التكتيكية"هي القدرة على تحقيق هدف الحرب بالمتاح من الإمكانات، دون زج كل القدرات أو الطاقات، أو ما يُمكن أن يطلق عليه الاقتصاد في استخدام القدرات.

تنقسم"الحرب التكتيكية"إلى شقين: سياسي وعسكري بهما تتحقق النتائج، ومع أن الشق العسكري هو ركن ركين في كلا الشقين ومن الصعب الفصل بينهما، ولكن اللجوء إلى الحسم السياسي يُقدم:

-حرب اليهود والتكتيك السياسي:

لم يكن لليهود تواجد في مكة موطن الدعوة الإسلامية، لذلك لم يكن لهم دور في الحرب، وبانتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى دولة الإسلام، كان في المدينة ثلاثة طوائف يهودية لها حصون وقلاع وعندها رجال وسلاح، وفيها موارد وإمكانات وعندها عقائد وإيمانيات.

ومع الإسباقية القرآنية بإظهار كمائن نفوس اليهود وحقدهم وحسدهم وبغيهم، بل وكل صفات التآمر والدسائس والتي تمثل الجبلة اليهودية، وادع الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليهود، من باب التفرغ لحرب قريش، وعدم فتح جبهة قتال خارجية وظهر الجيش غير آمن من طرف اليهود.

العداء اليهودي للإسلام أمر لا يُنكر، ولكن خوض الحرب معه في هذا الوقت لا يُناسب الحكمة ولا يسير مع المصلحة الإسلامية، فكان الخير في المصالحة، لعدة أسباب غير التفرغ لقتال قريش، فاليهود كانت لهم تحالفات مع الأوس أو الخزرج، ومقاتلتهم في البداية دون مبرر عادل، من المهاجرين حديثًا، ربما يفتح باب الشك وقد ظهر بعض آثاره حين كلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة حلفاء الخزرج أن يمن عليهم كما منَّ على بني قينقاع حلفاء الأوس، وأنزلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحكم أحدهم، فلما رضوا بسعد - رضي الله عنه -، وكان حكمه عين حكم الله من فوق سبع سماوات رضوا وأقروا.

وادع الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليهود لأن التكتيك السياسي كان يتطلب ذلك، ومما ذكره ابن هشام في بنود المعاهدة يظهر البعد السياسي والعسكري للتحالف قال: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ... وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت